قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية، ما لهُ وما عليه

قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية، ما لهُ وما عليه. مركز فيريل للدراسات. 23.12.2021.  

هو قانون سُنَّ في كافة الدول منذ بداية إنتشار الإنترنت حول العالم بين عامي 1960 و1970. كانت الجرائم الإلكترونية مجرد التلاعب بالبيانات أو تزويرها لتصل في الثمانينات لنشر الفيروسات، ومنذ عام 1990 بات الإنترنت بمتناول الجميع فأصبح لابد من قوانين تُنظّمُ ذلك. فمن وحدة الجرائم الإلكترونية التابعة للشرطة اليونانية التي تأسست عام 1995، إلى إنشاء مراكز خاصة وجيش من “مقاتلي” الإختراقات تابع لأجهزة المخابرات مع تدخل الإنتربول في المكافحة.

ما هي الجريمة الإلكترونية؟

 التعريف البسيط؛ هي جُرمٌ مباشر أو غير مباشر يرتكبهُ شخص أو مجموعة أشخاص ضد أفراد أو مجموعات أو عرق أو دين أو مُعتقد أو حكومة، بقصد الإساءة لسمعة الضحية أو لجسدها أو عقليتها أو التحريض عليها أو نشر الإشاعات والترويج لسلوك يضرّ بالمجتمع، أو التخريب والتجسس والإرهاب باستخدام وسائل الاتصال الحديثة “الإنترنت”. هي جريمة عابرة للحدود بتكلفة بسيطة وأدلة جنائية يصعب كشفها ويمكن إخفاؤها. يكون الجناة فيها هواة نوابغ يُسمون Hackers أو محترفون Crackers.

أبسط الجرائم الإلكترونية تبدأ من نسخ منشورات أو صور الآخرين على الفيس بوك، ونشرها على أنها لهم. هذا الجرم موجود حتى في قانون الجرائم الإلكترونية في سوريا منذ شباط 2019 تحت بند حماية حقوق المؤلف. تتصاعد الجرائم الإلكترونية لتصبحَ تشويه سمعة شخص ما، ثم سرقة حسابه الشخصي على وسائل التواصل الإجتماعي، وبطاقته الشخصية وبريده الإلكتروني، وانتحال شخصيته عبر الإنترنت. ثم تشمل سرقة البرمجيات التابعة لشركات أو حكومات أو بنوك، فتدمر الأجهزة الإلكترونية للجهة المستهدفة بقصد التخريب أو السطو على معلومات أو حسابات بنكية أو نشر إشاعات على مستوى واسع والترويج لأفكار هدّامة كخطاب الكراهية أو الدعارة والمخدرات والأسلحة وتشجيع الهجمات الإرهابية.

في النهاية تصل الجرائم لمهاجمة المواقع الرسمية للدول والحكومات وأنظمة الشبكات المحلية والدولية والأخطر العسكرية فتقوم بالتجسس والحصول على معلومات هامة أو تُخرّب هذه المواقع، هنا يتم تصنيفها تبعاً للسياسة إلى هجمات إرهابية تُدمّر البنى التحتية لشبكة الإنترنت، أو تُسيطر عليها فتتحكم بالأنظمة لفترة قصيرة قبل إستعادة الجهة للشبكة.

تصنيف الجرائم الإلكترونية

لعل أفضل وأشمل تصنيف نراه في مركز فيريل للدراسات هو التصنيف التالي المكون من عشرة تصنيفات:

  1. خطاب الكراهية عبر الإنترنت، ويشمل التحرش والتلفظ أو كتابة كلمات أو تعليقات أو مقالات تتضمن ألفاظاً بذيئة، ضد شخص أو مجموعات أو عرق أو دين أو جنس. ينصُّ القانون 18الجزء 2261A في الولايات المتحدة على أنّ استخدام أجهزة الكمبيوتر للتهديد أو المضايقة يمكن أن يؤدي إلى عقوبة بالسجن تصل إلى 20 عاماً.
  2. استهداف الكمبيوتر  أو الحسابات الإلكترونية الشخصية. وتتضمن الاحتيال وسرقة الهوية ونشر محتوى غير قانوني فاحش أو مسيء  والمضايقات والتهديدات ورسائل إلكترونية مزعجة وروابط برامج ضارّة.
  3. الابتزاز الإلكتروني. ويحدثُ عندما يتعرض موقع إنترنت أو خادم بريد إلكتروني أو نظام كمبيوتر للتهديد، بسبب هجوم من قراصنة يُهددون بدفع المال (الفدية) مقابل وقف الهجمات وتقديم الحماية. يشمل الهجوم غالباًمواقع الشركات فيشلون قدرتها على العمل ويطالبون بدفع مبالغ كبيرة لاستعادة خدماتهم. هناك هجوم من هذا النوع كل 11 دقيقة حول العالم حصل عام 2021. وقد وصلت الأضرار الناجمة عن هذه الهجمات إلة 21 مليار دولار.
  4. الاتجار غير المشروع عبر الإنترنت
  5. جرائم الاحتيال المالي
  6. نشر محتوى فاحش أو مسيء للأخلاق العامة، أو نشر الإشاعات والأخبار الكاذبة التي تشمل مجموعات كبيرة أو حتى دولة بكاملها
  7. الغش الإعلاني بإنشاء صفحات ومواقع وهمية لعلامة تجارية مشهورة والإتجار بالمنتجات المُقلّدة
  8. الاتجار بالمخدرات والأسلحة والمتفجرات
  9. الإرهاب السيبراني
  10. الحرب الإلكترونية

الهدف الرئيسي من قانون الجريمة الإلكترونية

هناك تشابهٌ من حيث المبدأ في الفقرات الرئيسية للقانون، والإختلاف يكون في شمولية القانون وطريقة التطبيق والتنفيذ وفي كون بعض الفقرات صيغت على مقاس السلطات الحاكمة لهذه الدول.

بشكل مُبسّط؛ المظهر الخارجي للقانون جاء لحماية الدولة والشعب من الحوادث الإلكترونية المُفتعلة، التي يمكن أن تؤدي إلى فقدان أو تعطيل الخدمات العامة أو الخاصة أو تُعرّض الدولة والمجتمع لمخاطر قد تتسبب بحدوث أزمات أو كوارث، عن طريق نشر أخبار كاذبة أو القرصنة. كذلك منع الإساءة لشخص أو لمجموعة أو لعرق أو لدين أو معتقد ما. هذه هي الأهداف بشكل عام. لكن كيف يتم التلاعب بها؟

كيف يتمّ التلاعب بالقانون؟

لكل دولة طريقتها في تطبيق هذا القانون تبعاً لمقتضيات مصلحة السلطة الحاكمة أولاً ثم الشعب… وهذا يشملُ كافة الدول دون استثناء لكن بحرية رأي أوسع أو أضيق. وكافة هذه الدول دون استثناء ترتكبُ هذه الجريمة ضد الدول المعادية.

حرية الرأي حسب وجهة نظرنا تعني؛ التعبير عن رأي شخصي بحرية تامة ضمن ضوابط أخلاقية وقانونية، وامتلاك الدليل عند اتهام شخص أو جهة ما أو نشر خبر يهم شريحة واسعة من الناس.

هناك فارق كبير في تعريف حرية التعبير والحدود المسموح بها، لكنها دائماً مُقيّدة حتى في الغرب الذي نظنّهُ ديموقراطياً. لهذا أيّ كلام عن الحرية الإعلامية وحرية التعبير هو استهلاكي ليس أكثر.

بالمقابل؛ حرية الرأي لا تعني أبداً الشتم والقذف والتهشير  والسخرية ونشر معلومات كاذبة أو إشاعات تسيء لشخص أو للمجتمع أو تُعرضهُ لكارثة ما.

أمثلة: الحديث ضد الكيان الصه.. ممنوع في الغرب ويدخل ضمن باب معاداة السامية.  مُجرّد ذكرُ الزعيم الألماني هتلر. أو رفع اليد وتقليد حركاته يُعاقب عليها القانون. على الجهة المقابلة؛ مازالت السخرية وشتم المثليين والملحدين أو الزواج المدني، غير مشمولة بالعقوبات في الكثير من دول الشرق.

حديثاً؛ مناقشة أو معارضة اللقاح ضد فيروس كورونا أو الحجر الصحي، ممنوع ويتمّ التضييق أو حتى طرد أي موظف من عمله. مثالنا هنا ما حصل مع نجم البوب الألماني Michael Wendler الذي أُجبِرَ على ترك لجنة التحكيم في مسابقة قناة RTL الشهيرة في تشرين الأول 2020، هل تعلمون لماذا؟ لأنه قال في إحدى تصريحاته: (لقد ارتكبت الحكومة الفيدرالية مخالفات جسيمة للدستور والقانون الأماني فيما يتعلق بوباء كورونا المزعوم والإجراءات الناتجة عنه.) كما اتهم القنوات الفضائية ووسائل الإعلام الأخرى بتضخيم الوباء ومخاطره. والنتيجة؛ لم تعد وسيلة إعلامية حكومية أو خاصة تبث أغانيه أو تلتقي به. هذا النجم اكتسبَ شعبية واسعة لدى معارضي اللقاح وأصحاب نظرية المؤامرة، فساهم بانقسام المجتمع إلى قسمين؛ مؤيد معارض للقاح، والخطوة شبه الحكومية بطرده كانت غبية دون شك.

ماذا عن قانون الجرائم الإلكترونية في سوريا

المساس بهيبة الدولة وتعريض الوحدة الوطنية للخطر

 لا يختلف القانون كثيراً عن غيره في باقي الدول إلا في كونه أكثر اختصاراً، وكما ذكرنا، من ناحية التطبيق والاهتمام بفقرات دون أخرى وتأويلها بما يناسب السلطات الحاكمة.

المساس بهيبة الدولة وتعريض الوحدة الوطنية للخطر ، واحدة من أكثر الفقرات تأويلاً و “قصقصة” بحيث تؤدي لمعاقبة الشخص المطلوب ليصلَ الأمر لتلفيق التهمة له. مع ملاحظة أمر هام؛ عندما نقول الحكومات أو السلطات الحاكمة سواء في سوريا أو في غيرها فإننا نعني الأثرياء والشركات الكبرى وهم الحاكم الفعلي للدول.

لعل أكثر الجرائم الإلكترونية إنتشاراً في سوريا هي “الشتم”!. والكلام يرجعُ لرئيس فرع مكافحة الجرائم المعلوماتية في إدارة الأمن الجنائي العقيد لؤي شاليش: (عدد الضبوط المسجّلة لدى الفرع وفي أقسام مكافحة الجرائم المعلوماتية في فرع الأمن الجنائي، خلال العام 2020، بلغ 2334 ضبطاً. وأكثر الجرائم انتشاراً في مجال الجرائم المعلوماتية هي جرائم السب والشتم عبر الشبكة، وجرم التشهير الذي هو من قبيل الذم، ووصلت نسبتها إلى 70 % من إجمالي الضبوط المنظمة، يليها جرم نشر معلومات كاذبة عن أشخاص عبر الشبكة وبلغت نسبتها 15 %، ومن ثم جرم الاحتيال عبر الشبكة بكل أنواعه وبلغت نسبته 9 %”.).

الجديد المطروح حالياً على القانون في سوريا هو بعض الفقرات ومنها “المعاقبة على نشر أخبار تنال من كرامة موظف عام”. وهنا التخوّف الكبير من كمّ الأفواه وتقييد حرية الرأي أكثر مما هي عليه الآن. ذكرنا أن حرية الرأي لا تعني الشتم والقذف والتشهير، لكن حرية الرأي تعني أيضاً حرية الحديث عن الفساد والفاسدين وانتقاد المسؤولين مهما كان حجم ونوع الكرسي الذي يجلسون عليه، وحرية الحديث عن الأداء الحكومي والأصح، الفشل الحكومي الذريع، خاصّة من قِبل المواطن الذي يُصيبهُ هذا الفشل مباشرةً.

مُخالفة هذه القوانين للدستور تحصل في سوريا كما تحصلُ في غيرها، فما جرى مع نجم البوب الألماني Michael Wendler واتهامه الحكومة بمخالفة الدستور الألماني، هو ما يحصل مع أي مواطن سوري بتضييق وخنق حريته وإرهابه فكرياً، وهذا أيضاً يُخالف الدستور السوري في المادتين 33 و42.

كي لا يتفاءل أصحاب المعالي بأننا نضعهم بمرتبة ألمانيا من زاوية حرية الرأي، نقول: الفارق أنّ مساحة الحرية في ألمانيا مثلاً أوسع بكثير منها في سوريا دون شك. القانون أيضاً لا يحمي الفاسدين ولا يمنع الحديث عنهم، وعند نشر معلومات كاذبة عن مسؤول ما، يمكنهُ تقديم شكوى ضد الجهة الناشرة كمواطن عادي وليس من موقعه كمسؤول هام، والقضاء هو الذي يفصل. حماية المواطن والحفاظ على حقوقه واحترامه، خاصّة في التصريحات الرسمية، لا يمكن مقارنتها بما يجود به علينا أصحاب الكراسي الملتصقة. مركز فيريل للدراسات. 23.12.2021.   Firil Center For Studies FCFS Berlin 23.12.2021. Dr. Jameel M. Shaheen