
بحث من مركز فيريل للدراسات. بإشراف الدكتور جميل م. شاهين. FCFS. Berlin. Dr. Jameel M. Shaheen.10.10.2026
رُغمَ تطرقنا لهذا الموضوع الهام، بتاريخ 05.03.2016 وبتوسع، لكننا وجدنا أنفسنا أمام مهمة تذكير المتابعين بذلك،عسى أن تُسعفَ ذاكرة مَنْ ينخرط في المظاهرات بأنواعها، فيتذكّرُ لماذا وما هدف مشاركته وكيف؟
الآن إلى الأناركية Anarchismus وتُلفظ باليونانية ἀναρχία، وتعني حرفيّاً “اللاسلطوية” أي إنعدام سلطة الدولة، ومجتمع “كل مين إيدو إلو”. عِلماً وهذا أمرٌ هام أنها لم تكن تحملُ هذه المعاني السيئة عند نشأتها، لكنّهم ألبسوا الأناركية ثوباً فصّلهُ “هؤلاء”، جعلها تعني “الفوضى الخلّاقة” مجازاً، على فرَض أنّ هناك فوضى تخلق أموراً جيدة.
يحملُ مُتظاهرو الأناركية شعاراتٍ عِدة، أهمها “شعار الحرف A” والذي باتَ رمزاً لها، ويدّعي اليسار العالمي أنّ الأناركيين جنوده، مع تحفظنا الشديد في مركز فيريل على تعابير اليسار واليمين والتي لا نراها تُمثّلُ حتّى نفسها. إلى تفاصيل أوسع
كيف نشأت الأناركية؟
خِلافاً لما تقوله المراجع عن نشأة حديثة للأناركية، وجدنا أن جذورها تعود إلى مئات السنين قبل الميلاد، فأول مَن ذكرها ليس فيلسوف الصين الأعظم 孔夫子 كونفوشيوس. بل فيلسوف صيني آخر عاصرهُ يُدعى لاو تسي Lao Tzu، ويُلفظ أحياناً لاو تزو مؤسس “فلسفة الطاوية“، وهي فلسفة دينية جديرة بالاحترام، تعتمدُ السلام مع الجميع. عبر كتابه الديني الأساسي بالصينية 道德經، أو تاو تي تشينغ، يقول فيه:
(أهم صفات المؤمن هي التواضع. الرحمة. التقشّف، والعزف عن تعقيدات الحياة والطمع بالمناصب والماديات). قالها لاو تسي حوالي 550 قبل الميلاد:
“يوضعُ اللص الصغير في السجن، بينما يُصبحُ قاطع الطرق الكبير؛ حاكماً للأمّة”
جاء بعد لاو تسي، عدةُ فلاسفة تحدثوا عن الأناركية، مثل الفيلسوف الصيني Chuang Tsu جوانغ تسي، الذي دعا للعودة إلى الطبيعة والتخلّص من التطور! كان ذلك 369 قبل الميلاد.
في هذا التوقيت تقريباً وفي الجانب الآخر من الكرة الأرضية، كانت الحضارة تضربُ بقوة في اليونان، فأخذ فلاسفتها هذه الكلمة وصاغوها بتعبير ترسّخ منذ ذلك الحين، وهو الأناركية أو Anarchia، أي ما تلفظهُ الشعوب اليوم من أصل يوناني لغوياً، والمعنى الحرفي لها:
“اللاسلطة”
أي الحياة بدون حاكم وسلطات “تُعكّر” صفو الشعوب.
الصياغة جاءت على يد الفيلسوف “الفينيقي السوري” زينون Zeno of Citium، وهو الذي هاجر إلى أثينا رافضاً أن يُصبحَ يونانياً، كان حديثه عن الأناركية عام 296 قبل الميلاد، في كتابه “الجمهورية” فصاغ نظرية اللاسلطوية بتوسع، مُطالباً بالتالي:

إلغاء الجيش والشرطة والمحاكم والمناصب السياسية كافة. إلغاء دور العبادة وجعل رجال الدين مدنيين عاديين. هنا تصدّى له “هؤلاء “المُستبعدين” بقوة، مؤكدين أن الفوضى ستعم المجتمعات، لكنه ردّ عليهم بقوة ناشراً أفكاره:
(غريزة الاجتماع والسلام الداخلي للإنسان هي الأقوى. المُثل العليا لا تأتي من دور العبادة. مساواة المرأة بالرجل فرض أساسي لضمان الحياة الكريمة والتربية الصالحة. لا يحق لإنسان فرض سيطرته على آخر، فالجميع متساوون في الحقوق والواجبات)
هنا دعا لتعبير نسمعهُ كثيراً لكنه قديم جداً وقد يُفاجئ متابعي مركز فيريل، قال زينون حرفياً: يجب إقامة
(مجتمع عالمي موحد)
أي صهر كافة الشعوب في بوتقة واحدة! وهذا أساس نظرية “حكومة عالمية واحدة”.
إنها الأناركية؛ حكومة عالمية واحدة
بقيت الأمور بين أخذ وردّ من فلاسفة العصور، حتى نَشَرَ “المتنوّرون” دستورهم، متى؟ اقرؤوا التاريخ جيداً 1.05.1776، بعدها قال عميدهم ومؤسس أخطر منظمة عرفها التاريخ حسب مركز فيريل، البروفسور Johann Adam Weishaupt وهو قس أيضاً، بالعربية آدم فايس هاوبت 1782، وعلى لسان الكاتب البريطاني الإسرائيلي WAYNE JOHN STURGEON:
(علينا خلق مشروع عالمي يؤدي إلى فوضى عارمة وعنف مطلق وإراقة الدماء، وبث حالة رعب بين البشر على الأرض، تمهيداً لإنشاء نظام عالمي جديد من رحم الفوضى، لا يعترف بدين و لا قومية و لا حدود. نظامٌ عالمي إلحادي دنيوي يحكمه في النهاية الشيطان)
إنها بريطانيا
ونحنُ نرى تأثير الصين وروسيا وفرنسا، ماذا عن بريطانيا؟ ألم تدلو بدلوها في هذا المجال؟ الجواب؛ تنظيم الأناركية ووضع قوانينها جاء من بريطانيا وعلى يد الفيلسوف والسياسي William Godwin، فصاغ المفاهيم السياسية للأناركية بكل منهجية في كتابه An Enquiry concerning Political Justice، بحثٌ في العدالة السياسية الصادر 1793، أي بعد أن قرأ دستور المتنورين وترك المسيحية البروتستانتية إلى “الإلحاد”، ثم ألحقه برواية The Adventures of Caleb Williams عام 1794.
دافع غودوين عن الشعب الفقير، داعياً لمحاربة الأغنياء. فجأةً؛ صار عضواً في البرلمان البريطاني وسكن قصر Palace of Westminster، فتلاشت مهاجمتهُ للأرستقراطيين والأثرياء في كتاباته، وتبخّرت معها دعواته لمحاربة السلطة واللاسلطوية، ليتحوّلَ إلى خادمٍ مطيعٍ لديها، يعيشُ حياة البذخ والترف، ويخدعُ القطيع الذي مشى خلفهُ.
القطيع الذي سار وراء وليام، هو نفسه القطيع الذي اشترى كتابه أثناء الثورة الفرنسية 1793، امّا السعر فكان خياليّاً وقتها كتابٌ بجنيه إسترليني واحد، وهو مبلغٌ يُعادل 188.8 جنيه إسترليني عام 2026، بعد حساب نسبة تضخم 2.27% فقط. تخيلتم ماذا فعلَ بالقطيع؟ فضّل الفقراء شراء كتابه على شراء وجبات طعام لأولادهم!
استطاع البريطاني وليام وبمساعدة من “أصحاب الكراسي” وأولهم الملك البريطاني George III والرابع، اللذين دعماه مادياً وأسكناه بجوارهما في القصر، استطاع الوصول لقلوب الملايين من العامة والتأثير فيهم، ليس بسبب ذكائه طبعاً.
حتّى أنّ جنازته التي أُقيمت في كنيسة St Pancras Old Church، وهو المُلحد، كان ما صُرِفَ عليها أي الجنازة، يكفي لإطعام الآلاف من فقراء لندن.
في النهاية؛ صدّر وليام ومن ورائه بريطانيا الأناركيةَ لفرنسا فانطلقت الشرارة التي لم ولن تنظفئ، حتى تحرقَ الجميع دون استثناء.
أسماءٌ وأسماءٌ والنتيجة أناركية
نقرأ من الأسماء الشهيرة في عالم الأناركية الكثير الكثير، نكتفي ببعضهم؛
Pierre-Joseph Proudhon فيلسوف وسياسي اشتركي فرنسي، توفي 1865 مُطلقاً علة نفسه “الأناركي الأول”!
نقرأُ أيضاً اسم الروسي السويسري الفرنسي، نعم يحمل 3 جنسيات وهو Михаи́л Алекса́ндрович Баку́нин، ميخائيل بانكونين، و Пётр Алексе́евич Кропо́ткин بيتر كربوتكين، ابن موسكو.
الجامع بينَ هؤلاء هو الإلحاد ودعوتهم لإقامة حكومة عالمية واحدة، بعد موجة فوضى عارمة تحصد الأخضر واليابس.
إنها الفوضى إذاً
حسب بروتوكولات بني صهيون؛ The Protocols of the Elders of Zionالمنشورة 1903، يمكن لمَن يريد التوسع مراجعة كتاب Matvei Vasilyevich Golovinski، أو كتاب “حوار في الجحيم بين مونتسكيو وميكافيلي” للفرنسي Maurice Joly 1864، البروتوكول العاشر تحديداً “ Neue Testament Satans”:
يجب تفكيك المجتمعات بإحداث هزّاتٍ سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، وخلق فوضى عارمة وعنف يصلُ بالبشر إلى حالة من الرعب والإنهاك المطلق، والسبب؛ كثرة إراقة الدماء وانتشار الموت والجوع والحروب، هنا يمكننا فرض نظام عالمي جديد موحّد، يسلبُ الدول سيادتها القومية والدينية. بعد أن يتمزق الناس بسبب صراعاتهم وخلافاتهم سيصرخون: إخلعوا الحكّام. نُريدُ حاكماً واحداً يوحّدنا ويزيل أسباب خلافنا، وهي القوميات والأديان والديون الدولية.

ارتبطَ هذا المفهوم في العقود الأخيرة بمصطلح “الفوضى الخلّاقة” (Creative Chaos)، أي أننا الآن في مرحلة إسقاط الأنظمة، وتفكيك الدول لإعادة تشكيل مجتمعات ودول، والأصح دويلات قزمة بما يُحقّقُ مصالح القوى العظمى، وبالتأكيد الدول العربية ليست منها، لأنها مع شعوبها مفعول به.
هل بدأت الأناركية في سوريا أم فرنسا؟
سبقَ وتحدثنا مُفصّلاً عن الأناركية في سوريا والتي بدأت “عملياً” عام 2011، وكيف انتشرت كالنّار في الهشيم، وقبلها في تونس ومصر وليبيا، فهل توقفت؟ بالتأكيد لا. فالمخططون لم يكتفوا بعد لأنّ أهدافهم لم تتحقّق. لكنّ المخطّطين لا عِصمة لهم، ونار الأناركية بدأت بهم. والقصد هنا كلّ مَنْ خطّطَ ودعم بالمال أو بالسلاح أو بالمقاتلين لإسقاط الأنظمة.
ما شهدتهُ فرنسا منذ سنواتٍ كان جزءاً من الأناركية، والتي أسموها حركة 68، ويقصدون انطلقت احتجاجات أيار 1968 للطلاب الفرنسيين. انطلقت من جامعة السوربون في باريس، وانتشرت إلى أوروبا كلها بما في ذلك “العصية” ألمانيا، لكن ليس بشراسة ما حصل في فرنسا.
كانت الأسباب: الظروف الاقتصادية والسياسية “نصف الصعبة” مقارنةً باليوم. جرى وقتها عصيان مدني واضراب شامل شلّ الحياة في فرنسا لستة أسابيع كاملة. حتى اقتربت فرنسا من الانهيار التام.
مَنْ لا يعلم؛ فرّ شارل ديغول “البطل الهمام” إلى جنوب ألمانيا مختبئاً، قبل تلقّي فرنسا مساعدات مالية من بقية الدول، ليس حبّاً بها بل لتلافي انتقال الشرارة إليها. فأجرى ديغول انتخاباتٍ مُبكرة، رامياً الأسباب على الوزراء والوزارة، كما رفعَ ضمن اتفاقية أشرفت عليها زعاماتٌ كبيرة، دُعيت اتفاقية Grenelle Accords، أجورَ العُمّال بنسبة فاقت 50%، ومعها “برطلَ” باقي الموظفين برفع رواتبهم أيضاً، فصمت الشارع إلى حين.
القطيع الذي خرج ضد شارل ديغول، في أيّار 1968 هو نفسه الذي أعاد انتخابهُ وبأغلبية ساحقة في البرلمان في حزيران 1968، وبنسبة مشاركة 80%! إنه القطيع.
فرنسا اليوم وغداً ألمانيا
الاحتجاجات الطلابية الحالية في فرنسا، ليست الأولى لكنها قد تكون الأخيرة.
البداية كانت بخروج طلاب الثانوية من المدرسة، وتحديداً من ثانوية École secondaire Antoine-de-Saint-Exupéry ، مدينة Créteil جنوب شرق باريس 12 كم. السبب؛ احتجاجاً على سوء الوضع التعليمي ونقص عدد المدرسين، هذا الخروج طبيعي كما نراهُ ونعرفهُ في مركز فيريل، المطالبة بعدد مدرّسين أكثر، وظروف دراسية أفضل. مَنْ يعيش في أوروبا يدرك أنّ مدارسها بحالة مأساوية. نعم يا سادة.
هل لُبيت مطالبهم، بالتأكيد لا فالوضع الاقتصادي الفرنسي والأوروبي في سقوط مُريع، رغم أنهم يتظاهرون بالقوة. لهذا تابعَ الطلاب وأولياؤهم الاحتجاج ورفضَ الدراسة للأسبوع الرابع، لكن ليس بهذه الصورة الرومانسية.
فالاحتجاجات توسعت كثيراً، وأخذت منحىً عنيفاً من المتظاهرين والشرطة، ودخلت فيها أيادي التخريب والنهب أو بالأصح “الأناركية”، فأصبحت اليوم أزمة فرنسية عاصفة. هناك وحسب معلوماتنا آلاف المعتقلين، نعم آلاف ومئات الجرحى. حتى أنّ الشرطة الفرنسية استخدمت العنف ضد “أطفال باريس”.
تُشير أرقام مركز فيريل للدراسات إلى اعتقال 6900 شخص شاركوا بالاحتجاجات، بينهم 6400 دون الـ18 عاماً. نعم يتحدثون عن الديموقراطية واستخدام العنف، لكن ليس في بلادهم. والأرقام من وزارة العدل الفرنسية، بالإضافة لإصابة 206 تلميذ و814 شرطياً بجراح مختلفة.
الآن؛ هناك دعواتٌ لتدخّل الجيش الفرنسي بعد وصول الشرطة الفرنسية وفرق مكافحة الإرهاب إلى طريق مسدود، أي اقتربنا من أحداث 1968 التي ذكرناها قبل قليل. فهل سيفرّ ماكرون إلى ألمانيا أيضاً؟
الدعوات للتظاهر وصلت بلجيكا فتحرك طلابها ومعهم آلاف من المتعطشين للثأر من الحكومات. وهاهي الدعوات تصل ألمانيا، فهل ستُلبى؟ معلوماتنا تقول؛ الوضع هو ما يُسمّى stalking، فالجميع مُتربص، متى سيتم الانقضاض؟ قريباً.
الأسوأ لم يأتِ بعد
الأناركية و الفوضى غير الخلاقة التي تواجه العالم، بدأت ولن تنتهي بسهولة. تذكرون هذه العبارة “الأسوأ لم يأتِ بعد” مازلنا مصرّين عليها في مركز فيريل للأسف. ما حصل في سوريا هو أناركية مهّدت للفوضى العارمة القادمة، لكن هذا لا يعني إطلاقاً أنّ هناك دولة عصيّة على الأناركية، بما في ذلك روسيا والصين والولايات المتحدة وطبعاً محميات الخليج.
توقعات مركز فيريل للدراسات
نصفُ لكم المشهد المتوقع أن نراهُ في معظم مدن العالم دون استثناء، وأنتم مَن يُقَرّرُ لاحقاً، هذا على فرض بقي الإنترنت. المشهد؛ مئات الشبان وبعض الشابات بأقنعة يقلبون حافلات وسيارات في الشوارع العامة، يحرقونها ويقذفون قوى الأمن بالزجاجات الحارقة. محلات تُنهب مع عمليات إطلاق نار هنا وهناك. إنفجارات مجهولة المصدر. الشرطة والجيش في الشوارع عاجز عن حماية الممتلكات العامة والخاصة.
الحياة العامة مشلولة، الدوائر والمؤسسات والمصانع والمدارس كلّها مغلقة، ولا يعمل سوى قسم الطوارئ في المشافي، وحفارو القبور. باقي المشهد تعرفونه
هناك مشهد آخر؛ أشدّ سوءاً ودموية، وهو حرب عالمية ثالثة تُستخدمُ فيها أسلحة الإبادة الشاملة. الآن يتم اختيار المشهد الأفضل لهم. وعلى الجميع بمن فيهم القطعان، الطاعة. إنها الأناركية يا سادة.
مركز فيريل للدراسات. 10.10.2026. Dr. Jameel M. Shaheen Berlin