
الثانية الكبيسة
الثانية الكبيسة ؛ أهميتها في ضبط الوقت وتحدياتها في العصر الرقمي. بحثٌ سريع من مركز فيريل للدراسات، مع فيديو مُرافق. 27.10.2026. FCFS Berlin. Dr. Jameel M. Shaheen
الثانية الكبيسة (Leap Second) وسيلةٌ ابتكرها العلماء للحفاظ على التوافق الدقيق جداً، بين الوقت الذي تقيسه الساعات الذرية والوقت المرتبط بدوران الأرض حول محورها. وعلى الرغم من أنّ الأمر يتعلق بثانية واحدة فقط، فإن هذه الزيادة الصغيرة تؤدي دوراً شديد الأهمية في عملية ضبط التوقيت العالمي، وتثير في الوقت نفسه نقاشاتٍ علمية وتقنية حول مدى الحاجة إلى استمرار العمل بها في المستقبل. طبعاً لدى العلماء في الدول المتطورة. إلى التفاصيل.
تاريخ الثانية الكبيسة
الثانية الكبيسة، باسمها المُشابه للسنة الكبيسة مع الفارق الزمني الشاسع، لكنها تتفقُ معها بأنّها تعديلٌ يُضاف إلى التوقيت العالمي المنسق (Coordinated Universal Time-UTC)، بهدف إبقائه قريباً من التوقيت الفلكي (UT1)، الذي يعتمدُ على دوران الكُرة الأرضيّة. تُضاف هذه الثانية عادة في نهاية شهر حزيران أو كانون الأول، أي في الاعتدال الصيفي أو الشتوي، متى؟ عندما تستدعي الفروق بين التوقيتين إجراء تعديل على الوقت الرسمي.
طُبّقَ نظام الثواني الكبيسة للمرة الأولى عام 1972، ومنذ ذلك الحين أُضيفت 27 ثانية كبيسة حتى نهاية عام 2016، وكانت آخرُ ثانيةٍ أُضيفت بتاريخ 31 كانون الأول 2016، أي ليلة رأس السنة الميلادية. يومها ابتسمَ العُلماء قائلين: (آخرُ دقيقة لعام 2016 تتكوّن من 61 ثانية وليس 60)!. تصدرُ قراراتُ الثواني هذهِ عن الهيئة الدولية لدوران الأرض والنظم المرجعية واختصارها؛ (IERS)، وهي الهيئة الدولية المسؤولة عن متابعةِ التغيرات في دوران الأرض وتحدّد الحاجة إلى التعديل.
تطوّر قياس الزمن
إذا عُدنا إلى الماضي لنعرَفَ حقيقةَ اكتشاف واختراع التوقيت، نصلُ بالتأكيد إلى السومريين وبعدهم إلى البابليين، طوّرت تلكَ الحضارات الراقية نظامَ عدّ يضعُ الرقمَ 60 في المُقدّمة، رافضين الرقم 10، لماذا؟ لأنه أي 60 رقمٌ مَرِنٌ يقبلُ القسمةَ على 12 رقماً دون كسور. بينما رقم 10 يقبل القسمة على 4 أرقام فقط، هنا رأوا ضرورة استخدام رقم 60 في علومِ الفلَك والرياضيات.
https://firil.de/%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d8%b9%d8%a7%d9%85-200-%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d9%84%d8%a7%d8%af%d8%8c-%d8%a3%d9%83%d8%ab%d8%b1%d9%8f-%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9%d9%8b-%d9%85%d9%86%d9%87/

جاءَ الإغريق “اليونان” 190 قبل الميلاد، فأسّسَ أعظم الفلكيين هيبارخوس باليونانية Ἵππαρχοعِلم الفلك، مُستفيداً من النظام الستيني البابلي، مُقسّماً الكرةَ الأرضية إلى خطوط طولٍ وعرض، وبزوايا فلكية دقيقة. قبلَ ذلك وكما نشرنا في مركز فيريل للدراسات منذ عام 2018، جاء العالم الفلكي اليوناني Eratosthenes، المُلقّب بـ “أبو الجغرافيا” والمولود في قيرونا، وحسبَ محيط الكرة الأرضية بدقة فريدة 250 قبل الميلاد، مؤكداً كرويتها وواضعاً خطوط الطول والعرض وراسماً أول خارطة، في عصر البطالمة بمصر القديمة.
لاحقاً جاء العالم الإغريقي الشهير بطليموس Κλαύδιος Πτολεμαῖος وفي جامعة الإسكندرية، عام 152 بعد الميلاد بنشر كتابهِ كتاب المَجَسْطي “الأعظم”، فقسّم الدرجة إلى 60جزءاً سُمّيت Patres Minute primae ، ومن هنا جاء اسم الدقيقة بالإنكليزية الذ ينتشر اليوم،ومعه قسّم الدقيقة إلى 60 ثانية أسماها باللاتينية Sekunde.
بعد تلك الإنجازات العظيمة، وفي عام 1052 للميلاد؛ جاء الفلكي أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني من خوارزم، وأكّد كروية الأرض، مُستخدماً الثواني والدقائق لتقسيم التوقيت الشمسي.
بقيت قياساتٌ النّاس للوقت تقديريّة، بسبب إهمال الثانية والدقائق أحياناً حتى 1675، عندما اخترعَ العالِم الهولندي كريستيان Christiaan Huygens عقربَ الثواني في الساعات التي يرتديها البشر. اختراعٌ يراهُ العامة والبسطاءُ عادياً، لأنّهم بسطاء!
ما أهمية الثانية الكبيسة؟
قبل أيام وفي الشهر الحالي تشرين الأول 2026، ورُغم ظروف فرنسا السيئة، عُقِدَ في فرساي بباريس مؤتمرٌ هامّ، اتخَذ فيه راعي المؤتمر؛ مُنظمة الأوزان والمقاييس العالمية، قراراً هذا اختصار لنصّه؛ (يتمّ تغيير التعامل مع الثانية الكبيسة، ويبدأ تطبيقه 20.05.2027، بحيثُ يستمرُ التوقيت العالمي المنسق دون إضافة الثواني الكبيسة أو حذفها، مع السماح بتراكم الفارق بين التوقيت الذري والتوقيت الفلكي إلى حد أقصى جديد يبلغ 3600 ثانية، أي ساعة كاملة)!
ساعة كاملة! لا تتسرعوا، إضافة ساعة كاملة يحتاجُ، إن حدثَ، لمئات السنين، ويبدو أنهم لايفكرون ببلوغ تلك الفترة وهم على الأرض. هذا موضوع بحث كبير نقوم بإعداده في مركز فيريل، وللأسف الكثير من القرارات الدولية تدعم هذه الفرضية
(سيتركون الأرض ويرحلوا بعد تدميرها!) لنا عودة.
سبقَ وعرّفوا الثانية بأنّها جزءٌ من 86400 من اليوم الشمسي، أي جزءٌ واحدٌ من 24 ساعة. وهذه مدّةُ دوران الأرض حول نفسها. لكنّ دوران الأرض حولَ نفسها غيرَ منتظم تماماً، كيف؟ هناك عوامل كثيرة يُمكنُ أن تُغيّر، بل غيّرت سرعة هذا الدوران وزمنهُ ولو بجزء بسيط من الثانية، لا نتحدّثُ هنا عن السدود، بل عن الظواهر الطبيعية؛ المدّ والجزر. ثورات البراكين. تغيّرات باطن الكرة الأرضية.
لهذا كلّه، أعادَ العُلماء تعريفَ الثانية زمنياً اعتماداً على الحركة المدارية للأرض، بدأ هذا 1956 ليشهد عام 1957 تعريفَ الثانية بطريقة أكثر دقة، باستخدام تردّد شعاع ذرّة السيزيوم. والسيزيوم لمن يعشق التوسّع بالمعلومات هو عنصرٌ كيميائي فريد جداً؛ Caesium يحمل الرقم الذري 55، فلزّ معدني قلوي ذهبي ينصهر بحرارة 28 درجة فقط. ويشتعل بحرارة 118 تحت الصفر! أكثر المعادن تفاعلاً، والأقل حملاً للشحنات الكهربائية.
مع هذا الاستخدام للسيزيوم، اخترع العالماء الساعة الذرية (Atomic Clock)، وهي الأكثرُ دِقّةً بتحديد الزمن حتى الآن.
ظهور الاختلاف الزمني من جديد
أُذكركم أننا نتحدثُ هنا عن اختلاف زمني لا يلحظهُ الإنسان، لكن تأثيراته هائلة وسترونها بعد قليل. قلنا أنّ الساعة الذرية دقيقة جداً، لهذا بدأ الاختلافُ التدريجي بينها وبينَ الزمن الفلكي، لماذا؟ لأنّ الزمن الفلكي يتأثّرُ بالتغييرات الطبيعية التي ذكرناها سابقاً. هنا وللتخلّص من هذا الاختلاف الزمني اعتُمِدَ التوقيت العالمي المنسق (UTC)، وهي اختصارٌ لـ Coordinated Universal Time، حيثُ جمعَ هذا التوقيت العالمي دِقةَ الساعة الذرية مع حاجتنا للمحافظة على التوقيت الرسمي التابع لدوران الأرض.فكان الفارق دون 0.9 ثانية. عرفتم عن الزمن الذي نتحدّث عنه الآن؟
ما تأثير الثانية الكبيسة على حياتنا؟
هنا ما يبحث عنه المتابع الكريم، فالثانية الإضافية “الكبيسة” لا يراها الغالبية مؤثّرة في الحياة اليومية، خاصّة في هذه الظروف الصعبة التي يمرّ بها العالَم. دعونا نوضّح لكم مدى أهميتها إذاً:
تأثير الثانية الكبيسة كارثيٌّ في الأنظمة التكنولوجية المعتمدة على التوقيت الزمني الدقيق، ونقصد هنا: الكومبيوتر، الخوادم، شبكات الاتصالات بأنواعها بما فيها الإنترنت، مراكز البيانات وهكذا.
لو قمنا بإضافة ثانية فجأةً لتوقيت تلك الأنظمة، سنرتكبُ عندها خطأً كبيراً بل كارثيّاً قد يؤدي لانهيار الأنظمة تلك. ستكون أقل المشاكل تأثيراً مثلاً؛ تشابك الخدمات الرقمية التي تعتمد على ترتيب العمليات بدقة. تتصاعد المشاكل لتصلَ إلى الاتصالات وشبكات الكهرباء وتحلية المياه، ووسائط النقل بكافة أنواعها وصولاً إلى الفضاء والمشاريع الفضائية والأقماء الصناعية، باختصار؛ قد تؤدي لاضطراب كبير يصعبُ حلّه، ولن نقول يستحيل.
لم يُهوّن انتشار الذكاء الصناعي المشكلة، بل عقّدها لأنّ تقنية الذكاء الصناعي تعتمد على تواصل عدد هائل من الأجهزة في الوقت نفسه، والتعامل مع تعديلات زمنية يُصبح صعباً جداً خاصة إن كانت الثانية فجائية.
هل نُضيف الثانية الكبيسة أم لا؟
رغم التحذيرات السابقة والتي تبدو مُقنعة، واتخاذ القرار بتوقف التعامل مع الثانية الكبيسة، لكنّ الجدل قائمٌ بين علماء الدول المتطورة، بشأن ضرورة استمرار استخدامها.
اتجاه أولٌ يدعو لإلغائها والاعتماد فقط على التوقيت الذري، فنتجنّب أيّة مشكلة قد تنتجُ عن إضافة “الثانية الكبيسة”، عُلماءُ الولايات المتحدة وفرنسا يؤيدون هذا الإلغاء.
الاتجاه الثاني: ويؤيدهُ معظم علماء العالم؛ يدعو لاستمرار اعتماد “الثانية الكبيسة” وإضافتها للزمن، فذلك يُحافظ على توافق التوقيت الرسمي وتوقيت دوران الأرض. بينما سيؤدي التخلي عنها تراكمياً لبروز فارق زمني بين التوقيت الذري والتوقيت الفلكي، بمقدار سيُصبحُ كبيراً قبل نهاية القرن الحالي، خاصّة وأنّ دوران الأرض يتباطأ 2 بألف من الثانية يومياً!.
الثانية الكبيسة السالبة
سبقَ وأضيفت إلى التوقيت العالمي ثوانٍ إيجابية، ومنذ عام 1972 أضيفت 27 ثانية، أي زاد طول الدقيقة ثانية كاملة كلّ مرة. لكن هل يمكن أن يحدث العكس؟ أي تصبح سلبية؟ فنحذفُ ثانيةً سنوياً.
نعم هناك احتمال، فتغيّر سرعة دوران الأرض، ونقصد هنا تسارعها سيؤدي للحاجة إلى حذف ثانية، وهي ما يُعرف باسم الثانية الكبيسة السالبة؛ (Negative Leap Second). هذا أمرٌ كما ذكرنا “احتمال”، لم يحدث بعد، لكن إن حدث ستكونُ نتائجه أيضاً كارثية على الأنظمة نفسها، فيما لو أضيفت فجأةً أو تمّ التغاضي عن إضافتها نهائياً.
تأثير الزمن في الناس
يسعى العلماء للحفاظ على العلاقة الدقيقة بين التوقيت العالمي المنسق والتوقيت الفلكي، بهدف الحد من المشكلات التكنولوجية المرتبطة بإضافة الثواني الكبيسة. وسّعت الدول المتطورة عام 2022 الحدّ المسموح به للفارق بين التوقيتين، وبالتالي إعادة النظر في ضبط التوقيت الحالي قبل عام 2035. الحدّ التقليدي المسموح به للفارق كان 0.9 ثانية، أمّا اليوم ولأسباب نراها في مركز فيريل سياسية أو مبهمة؛ سُمِحَ بفارق خيالي وصل إلى ساعة كاملة! أي 3600 ثانية. هذه الفترة الزمنية الكبيرة جداً بالنسبة للساعات الذرية، تُتيحُ الفرصة لرافضي التعديل أي فرنسا والولايات المتحدة، عدم إدخال تعديلات “الثانية الكبيسة” الفجائية طبعاً، وبالتالي عدم مواجهة مشاكل تقنية خطيرة.
بالنسبة للنّاس العاديين؛ لن يشعرَ معظم النّاس بأيّ تغيير مباشر في الزمن والتوقيت، ولا حتى في ساعاتهم الذكية. التأثير الأوضح سيكون لدى علماء الفلك (Geodesy)، الذين يدرسون ويتابعون دوران الأرض وشكلها وأبعاد المجال المغناطيسي والجاذبية…
ختاماً؛ رأي مركز فيريل للدراسات
في حقيقة الأمر؛ إضافة الثانية الكبيسة مسألة شديدة التعقيد، حاولنا تبسيطها قدر الإمكان، لكنها مازالت معقدة، ولا تهمُّ شريحة واسعة من العامة. عِلماً أنّ دقة التوقيت تعني دقة العِلم وتنمُّ عن التطور والحضارة.
تعتمدُ الحضارةُ اليوم بشكل أساسي على الاتصالات والتكنولوجيا والذكاء الصناعي، شئنا أم أبينا هذا هو التطور الآن. فليُغلق مَنْ لا يريدهُ الموبايلَ ويرمهِ الآن ويقطع الكهرباء ويكسر الرائي وسيارتهُ، ويعود لركب الجمال فالقافلة تنتظرهُ.
الثانية الكبيسة هذه هامة جداً للحضارة الحالية، وضرورة الحفاظ على التناغم الدقيق جداً بينَ التوقيت الرسمي ودوران الأرض، وتجنب الأعطال الرقمية، لهذا يسعى أهلُ العلم لإيجاد نظام توقيتٍ مستقرّ ومرن بآن واحد. لا يتعلّقُ مستقبل قياس الزمن بساعاتٍ سويسرية دقيقة بل بتوازنٍ بين الطبيعة والتكنولوجيا.
تطوير الأنظمة الرقمية واختبار قدرتها على التعامل مع التعديلات الزمنية المختلفة، بزيادة ثانية كبيسة أو حذفها، سيضمنُ استمرار الخدمات بين أيديكم دون اضطرابات كبيرة. كما سيضمنُ استقرار التقنيات. دمتم بخير مركز فيريل للدراسات. برلين 27.10.2026