أمراضُ دجاج تركيا. الجزء الثاني

أمراض دجاج تركيا. الجزء الثاني
بحث من مركز فيريل للدراسات. 09.09.2026. Firil Center For Studies. Berlin. Dr. Jameel M. Shaheen FCFS
تحدثنا في الجزء الأول عن تربية الدواجن للمرة الأولى بتاريخ البشرية، وعن الأمراض الفيروسية التي تُصيبها، ولماذا تركيا تحديداً. في هذا الجزء نتابع الحديث عن الأمراض البكتيرية والطفيلية، مع معلوماتٍ قد تكون جديدة للكثيرين. نتمنى لكم الفائدة مع التنويه إلى أنّ المصادر، لعشاق المصادر، موجودة ضمن كل فقرة، وعليهم مراجعتها والتأكد إن شاؤوا.

أمراضُ الدواجن البكتيرية

تعرّفنا على الأمراض الفيروسية، وهي ليست كلّ ما يُصيب الدواجن، بل هناك الأمراض التي تُسببها البكتيريا بالعدوى المباشرة، أو بالعدوى الثانوية بعد الإصابة بفيروسات، أو نتيجة سوء ظروف التربية. نستعرضُ معكم أبرز هذه الأمراض باختصار، مع لفت الانتباه لأنها أشدّ خطورةً على الإنسان من الأمراض الفيروسية.

أولاً: السالمونيلا Salmonella

مرضٌ بكتيري هضمي يُصيبُ الإنسان والحيوان، ويُعتبرُ من أخطر الأمراض التي تُصيب الطيور. تنتقل بكتيريا السالمونيلا من الدجاج والحيوان إلى الإنسان، بتناول الأغذية الملوثة غير المطهية، من لحوم الدواجن أو بيضها ومن الحليب ومشتقاته، أو بالاتصال المباشر بالحيوانات المصابة.
هذا ليس كل شيء فلا تتعجلوا الأمر. وجود دجاج مصاب في المنزل، يعني أنّ السالمونيلا أيضاً موجودة في كل نقطة وصلها الطائر، حتى لو كان مذبوحاً، لأن كلّ من يلمس هذا الطائر يُعتبر ملوّثاً بالبكتيريا. تناول بيض الطيور المصابة، أو أية منتجات غذائية دخلها البيض المصاب، وبدون وجود الطائر يُسبب العدوى أيضاً.

تبدأ أعراض الإصابة بالسالمونيلا لدى البشر بآلام بطنية وإسهال حاد، مع ارتفاع الحرارة “حُمّى” وغثيان. الأعراض بشكل عام تكون سريعة الظهور، ربما خلال ساعات فقط.
الوقاية من المرض تكون بطهي اللحوم جيّداً لقتل البكتيريا الموجودة، هذا على فرَض عدم الشك بوجود “جائحة” سالمونيلا لدى الطيور. لكن ما يحدث وما حدث أنّ الأسواق امتلأت بدجاج مُجمّد أُعدم لمنع إصابته، وربما كان يحمل البكتيريا، لم تستطع الجهة المالكة تصريفه في منطقته لسبب ما، فصدّرتهُ لمكان أو لدولة أخرى، برقابة صحية متدنية مع فساد منتشر، والقصد واضحٌ هنا؟

في حالة لمس الطيور المذبوحة أو بيوضها، يجب غسل اليدين جيداً، وعدم لمس أيّ شيء آخر. نُفضّلُ في مركز فيريل عدم تناول البيض نيئاً، كما في عصائر “الكوكتيل”، أو في الوصفات الأخرى.
متى انتشرت السالمونيلا في تركيا؟

تركيا من أكثر الدول التي عانت من إنتشار السالمونيلا سواء بين الطيور، أو بانتقالها إلى البشر. بمراجعتنا لسجلات وزارات الصحة العالمية حصلنا في مركز فيريل على عدة حالات انتشار واسعة، نختصرها في؛ انتشار السالمونيلا في تركيا من كانون الثاني حتى تموز 2023، والمصدر : وكالة الأمن الصحي في بريطانيا (UKHSA)، الحالة المُسجّلة Salmonella Enteritidis ، وهو نوع سام جداً، لهذا حَظرتْ بريطانيا استيراد كافة منتجات الدواجن من تركيا.

ثانياً: مرض الميكوبلازما Mykoplasma

من الأمراض البكتيرية الأخرى التي تُصيبُ الدواجن والإنسان على حدّ سواء؛ الميكوبلازما  جراثيم صغيرة الحجم جداً، مقارنة بغيرها. لا تمتلكُ جداراً خلوياً، مما يعني أنها تُقاوم بشراسة المضادات الحيوية بما في ذلك البنسلين. المضادات تستهدفُ جدار الخلية فتدمره، مسببة إنفجار الخلية الجرثومية. هذا أيضاً عند الإنسان.
تنقسم الميكوبلازما لنوعين رئيسيين؛ الرئوية
Mycoplasma pneumoniae وتهاجم الجهاز الرئوي لدى الإنسان والحيوان، وتناسلية Mycoplasma genitalium تهاجم الجهاز التناسلي. 
الإصابة بها لا تكون مميتة لدى البشر، بوجود معالجة وعناية جيدة، تبدأ أعراضها بسعال وآلام في الصدر والمجاري التنفسية في النوع الرئوي، أو  بحرقة أثناء التبول ثم التهابات في المجاري البولية والتناسلية. مع المضادات الحيوية أريثرومايسن أو تتراسيكلين تتراجعُ الأعراض. لكن الإهمال سيؤدي لمشاكل صحية خطيرة. هذا كله عند الإنسان.

عند الدواجن؛
يصبح المرض خطيراً مع نفوق 80% من الدواجن المصابة، وسط أعراض تنفسية تؤدي للاختناق في النهاية، فنرى الطائر فاتحاً فمه دائماً مع صعوبة في التنفس.
الخطورة لا تكون بعدوى الطيور لبعضها فقط، بل بسهولة انتقالها للبشر سواء بشكل مباشر، أو بلمس منتجات الطائر بما في ذلك البيض.

أمراض الدّواجن الطفيلية

لا تقتصر أمراضُ الدواجن على الفيروسات والبكتيريا، بل تشمل أيضاً مجموعة من الطفيليات الداخلية والخارجية. تزداد أهمية هذه الأمراض في القطعان التي تعيش في ظروف رطبة أو مزدحمة، أو تعاني من ضعف في النظافة والإدارة.

أولاً:  داء الكوكسيديا الطفيلي Coccidiosis

مرض طفيلي يُصيبُ الدواجن والمواشي، لكنه نادر عند الإنسان وبأعراض خفيفة، تسببه أنواع من جنس Eimeria، ويؤثر بصورة رئيسية في الجهاز الهضمي. يوصفُ بالمرض الاقتصادي صناعة الدواجن، خاصّة الديك الرومي، لأنه يُسبّبُ ضعف نمو الطيور نتيجة إسهال مزمن، يترقّى لنزيف معوي ثم نفوق الطيور خلال فترة تصل لأيام، نسبة النفوق منخفضة مقارنة بالأمراض السابقة. أكثر العوامل المساعدة على انتشاره، عدم النظافة والرطوبة الزائدة في المزارع، وضعف التهوية بسبب الأعداد الزائدة من الطيور بمكان ضيّق.  لهذا يجب الحفاظ على جفاف المزرعة “الهنكار”، وتخفيف عدد الطيور.

ثانياً: داء الطفيليات الخارجية

المرض واضحُ من عنوانه، فالطفيليات الخارجية تصيب الدواجن والإنسان أيضاً، أبرزها: العث والقمل والقرّاد وغيرها من الطفيليات التي تعيش على الجلد والريش، مُسبّبة تهيّج الجلد واحمراره، تليها أعراضٌ أخطر تبدأ باضطراب النوم وضعف الشهية. لتصلَ إلى فقر الدم في الأنواع الماصّة للدم، لتنتهي باضطرابات عصبية تؤدي للموت. وهذا يحدث عند البشر والطيور وباقي الحيوانات على حدّ سواء، وانتشار هذه الطفيليات بمكان يعني احتمال الانتقال بسهولة من طرف لآخر. نسبة نفوق الدواجن دون 20% شرط اكتشاف الاصابة ومعالجتها.
العلاج بتطهير المنطقة كاملةً، واستئصال أي طفيلي انغرز في الجلد، مع فحص الطيور والحظائر باستمرار، وتنظيف أماكن التربية، واتخاذ إجراءات المكافحة المناسبة عند ظهور الإصابة.

هل تتحمّل الفراريج أسباب الجلطات في سوريا؟

لاحظتم ارتفاع نسبة الاحتشاءات Infarction القلبية والدماغية في سوريا، وبين الشباب. ربطَ كثيرون بينها وبين تناول المواد الغذائية الملوثة، وأولها الفراريج التركية. في حقيقة الأمر، الكلام صحيح وخاطئ بآن واحد. لماذا؟ لأن الخطورة لا تأتي حسب معلومات مركز فيريل، من حقن الدجاجة بمادة تُسبب الاحتشاء، وهي مادة غير موجودة على المستوى العام في الأسواق. بل تأتي من طريقة ونوعية وكمية الدجاج الذي يتناوله الشخص. أي سبب غير مباشر لكنه موجود.
جِلد الدجاج المُباع مُشبعٌ بالدهون، وهذا يرفع نسبة الكوليسترول الضار في الدم، وبالتالي يؤدي إلى تصلب الشرايين، وهو السبب الرئيسي لحدوث الاحتشاءات الدماغية أو القلبية. أمر آخر؛ لا يُمكن اتهام الدجاج بكونه السبب الوحيد غير مباشر للاحتشاءات، فهناك مواد غذائية أخرى، وحسب بحوث طبية أوروبية تُسبّبُ ذلك، سوف ترد بعد قليل.

تلعبُ طرق الطهي بقلي الدجاج في الزيوت المهدرجة (البروستد مثلاً)، دوراً سيئاً جداً بزيادة المواد الضّارة في الدّم، لهذا يبقى شوي الفراريج أو طبخها، مع تناول صدر الدجاج فقط، أقل ضرراً.

ماذا عن هرمونات النمو والمضادات الحيوية؟

قضية وضع “هرمونات النمو” في علف الدواجن، لم تُثبتُ درجة ضررها بعد، وهي موجودة رغم إنكارهم، لأنهم يمنعون نشر أية دراسة حول ذلك ببساطة. عِلماً أن حالات كثيرة تسببت بكوارث غذائية نتجت عن تناول أعلاف بسموم فطور مثل أفلاتوكسين (Aflatoxin) وأوكراتوكسين (OTA).

بالنسبة لوضع المضادات الحيوية في علف الدواجن، وهو شائع جداً، ليس بطريق الحقن طبعاً، هدفهُ الرئيسي تسريع نمو الطائر، وأحياناً السيطرة على الأمراض. بشكل عام، لا توجد مختبرات تشخيصية داخل معظم مزارع الدواجن التي تضع تلك المضادات الحيوية، لهذا لا تكون الكمّيات دقيقة ولا يُمكن معرفة النتائج أيضاً، هذا على فَرَض أنّهم أضافوها كدواء علاجي. هنا يجب إفراز بحث خاصّ بهذه النقطة لأهميتها سواء على صحة البشر، أو على صحة الدواجن كونها من أكثر العمليات المتّبعة حالياً للغش. 

مما ورد بهذه الفقرة، نرى أنّ الغشّ الرئيسي يكون في مزارع تربية الدواجن، وهو الذي يؤثر على صحة الإنسان، بينما يكون دور البائع محصوراً بزيادة وزن الفروج غالباً، فيقوم الكثير من الباعة، الكثير وليس القليل، بحقن الطائر بالماء لزيادة الوزن، هذا إذا أحسَنّا النوايا.

كيف تكون مزارع الدواجن النموذجية؟

يبدو الأمر خياليّاً، وهو كذلك لكن دعونا نطرقُ باب جمهورية أفلاطون قليلاً. من أسس تربية الدواجن:
المكان الواسع النظيف، بتهوية دائمة جيدة، مغطّىً بسقف مناسب وغير مكشوف، مع تدفئة شتوية وتبريد صيفي مناسب، بحيث تبقى الحرارة عند المراحل العمرية الأولى 30 درجة مئوية، لتنخفض قليلاً فيما بعد. مصادر مياه نقية متجدّدة. هذا كلّه وسط مراقبة طبّية دائمة لمنع تفشّي الأمراض، والانتباه إلى العلامات غير الطبيعية، والوقاية بالتطعيم الدوري بمواد غير ضارّة للمستهلكين. عندما تتحقّقُ هذه الشروط، سنقول تناول لحم الدواجن آمن إلى حد بعيد.

لماذا تكذب الحكومات السورية المتتالية؟

بنفس توقيت حظر استيراد عدة أنواع من المنتوجات الغذائية من تركيا، جاء قرار حكومة المتخلّفين بتعليق استيراد الدجاج التركي المجمد، اعتباراً من تاريخ 15.08.2025. الفارق كان في أسباب هذا الحظر، فحكومات دول كثيرة بيّنت السبب الوبائي، باستثناء حكومة الجولاني التي ادّعت أنّ السبب هو حماية المنتج المحلي وضمان سلامة الغذاء! العبارة الأخيرة تؤكد كذبهم المفضوح! لايتوقفُّ كذب الحكومات السورية هنا فقط، بل يتجاوزه بمراحل؛ كيف؟ قبلَ أيام من هذا القرار الذي تجاوز عمرهُ سنة كاملة، وقّعَ وزير اقتصاد الجولاني في أنقرة 18 مذكرة تفاهم اقتصادية، أولها (تأسيس مجلس أعمال اقتصادي مشترك). فجأة ظهرت تركيا بأكبر جناح في معرض دمشق الدولي، بمساحة تجاوزت دونم مربع، ووفد ضمّ 102 شركة تركية، قسمٌ كبير منها شركاتٌ للإنتاج الزراعي والحيواني! بنفس العام أي 2025 وبعد “أكذوبة حظر الفروج التركي“،  ومعه حظر 22 صنفاً غذائياً آخر، ارتفعت الصادرات الغذائية التركية إلى الشعب السوري 54,2%، بينما ارتفعت قبل الحظر 35,4%، أي زادَ استيراد المواد الغذائية التركية وليس العكس، الزيادة هذه رسمياً وليس بطرق التهريب. وبما أننا نتحدث “مجازاّ” عن رسمياً ومصدرنا في مركز فيريل هو حكومة الجولاني نفسها، فباعترافهم وصلت قيمةُ الصادرات الغذائية التركية للشعب السوري 700.1 مليون دولار، وسوف تتجاوز الصادرات عام 2026 حاجز الـ800 مليون دولار!!

الشعب السوري الأكثر استهلاكاً للمنتوجات الغذائية التركية!

حتى في ظلّ النظام السابق وفي المناطق التي تحتلها تركيا بغطاء من جيش الإخوان المسلمين، وصولاً إلى مدن سورية رئيسية مثل حماة وحمص، كانت المنتوجات الغذائية التركية تغزو الأسواق السورية. وقد سبقَ ونشرنا في مركز فيريل عن الفروج التركي المُجمّد الذي يُباع في أسواق حماة مثلاً، تحت عيون الحكومة السورية آنذاك وبمشاركة مسؤولين فيها، فكيف يصل “الفرّوج المُجمّد” والقطيعة بين أنقرة ودمشق قائمة! لكن والحق يُقال؛ لم تكن تتجاوز قيمة الصادرات التركية لسوريا أيام بشار الأسد حاجز 200 مليون دولار، بطرق رسمية وغير رسمية وهذه الأرقام من سجلّاتهم، أي كانت أقل من 25% مما تستوردهُ سوريا الآن!
الجزء الثالث يأتيكم لاحقاً وفيه: منع استيراد المواد الغذائية من تركيا بكافة أنواعها في 47 دولة حول العالم، أيضاً؛ كيف نكتشف منزلياً جودة اللحم وغيره من المنتوجات الغذائية؟ ابقوا بخير أمراض دجاج تركيا. الجزء الثاني
بحث من مركز فيريل للدراسات. 11.09.2026. Firil Center For Studies. Berlin. Dr. Jameel M. Shaheen FCFS