الاقتصاد السوري 2022 Firil Center For Studies

سبقَ وخصصنا عدة أبحاث عن الاقتصاد السوري مع حلول للنهوض به، لم نرَ من تطبيقات عملية على الواقع سوى ما ندر. ماذا عن التوقعات القادمة في ظل الظروف الحالية؟

لا يقعُ الاقتصاد السوري ضمن تصنيفات أنواع الاقتصاديات العالمية بشكل دقيق، فلا هو  بالنظام الاقتصادي التقليدي، أو النظام الاقتصادي الموجّه، أو نظام اقتصاد السوق، أو النظام الاقتصادي المُختلط. هو عبارة عن “كوكتيل” عجيب من تلك الاقتصاديات بحيث لا يمكن تحديد الهوية الاقتصادية السورية، وتكون الحلول أيضاً متماشية مع تصنيفه.

الأسواق السورية الأسرع عالمياً والتاجر السوري الأكثر احتكاراً

رغم وجود وزارة كاملة بآلاف الموظفين مع وزير التصريحات “الرنانة” وفارس من فرسان الفيس بوك، إلا أنّ هذه الوزارة لم تستطع ضبط الأسعار سوى على وسائل التواصل الاجتماعي. فمع أول صاروخ روسي سقط على أوكرانيا، استجاب التجار السوريون ورفعوا الأسعار واحتكروا المواد المتوقع نقصها كالزيوت والقمح، ليطلّ علينا شهر رمضان بزيادة أخرى حتى باتَ مَنْ يتناول سندويشة فلافل يومياً يُعتبر من الأغنياء، ولن تزول بقعة الزيت…

من البديهي والذي تعرفهُ أيها القارئ الكريم، أنّ أسباب الأزمة المعيشية الخانقة وضعف الاقتصاد السوري، هي الحرب ونتائجها، احتلال مناطق اقتصادية هامة في سوريا وسرقة ثرواتها الباطنية والزراعية، العقوبات الخارجية، الفساد المالي والإداري، عدم وجود خطة اقتصادية مدروسة لدى الحكومات السورية المتعاقبة، وسيطرة مافيا اقتصادية هي الحاكم الفعلي للاقتصاد والسوق. أضيف لهذه الأسباب، جائحة كورونا التي أثرت على الاقتصاد العالمي ثم الحرب في أوكرانيا حالياً والتي فاقت عائلة كورونا مجتمعة.

ارتفعت الأسعار في الأسواق السورية بسرعة نافست سرعة الصاروخ الروسي رغم أنّ التبادل التجاري مع أوكرانيا لا يتجاوز 2,5% سواء استيراداً أو تصديراً، 20% فقط من هذه الـ2,5% مستوردات هي للمواد الغذائية، أي أنّ الزيادة الأولية في الأسعار تشمل المواد الغذائية المستوردة من أوكرانيا حصراً، ثم تتلوها زيادة بسبب ارتفاع أسعار المحروقات وأجور النقل… أي أنّ سوريا لن تكون بمعزل عن تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية التي تسببها الحرب في أوكرانيا، وهذا سيضيفُ جرحاً جديداً للاقتصاد السوري، وبالتالي “مشجب” جديد للحكومة والمسؤولين يُعلّقون عليه “فشلهم” وفسادهم.

خلال شهر من الحرب في أوكرانيا، ارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية الغذائية في أوروبا بشكل عام  7%، فكم قابلها في سوريا؟ حسب تصريحات غرفة تجارة دمشق بين 30 إلى 40%، لماذا؟ يُجيب المسؤول التاجر بأنّها الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار المحروقات والصقيع الذي ضرب سوريا في آذار الماضي، أما الحل؟ فهو بيد الله. ويا سبحان الله عندما يُحشرُ اسم جلالته في كل شيء للهروب من المسؤولية.

طالما هناك فساد لن تكون الحلول ناجحة

طالما أن رفعَ العقوبات مرتبط بواشنطن، وهذا لن يحدث حالياً على الأقل، فقد وضعنا في مركز فيريل للدراسات أول الخطوات لبعث الحياة في الاقتصاد السوري هي محاربة الفساد. الحرب على الفساد خجولة جداً ولا تشمل سوى الصغار ، وأحياناً بعض “أضاحي” حيتان المال لكن بعد أن تتم “السرقة” وتهريب الأموال إلى الخارج!. وكي يكون كلامنا بدليل، هذا تقرير الجهاز المركزي للرقابة المالية السورية عن سنة 2021:

حجم الأموال المطلوب استردادها عام 2020 بسبب قضايا فساد مكتشفة هو 22 مليار  و 438 مليون ليرة سورية، بما في ذلك 365175 دولاراً أميركياً و13788 يورو، تم استرداد مبلغ 2 مليار و548 مليون ليرة سورية.

هذه المبالغ المكتشفة لا تساوي جزءاً من حجم الفساد المالي. فـ22 مليار ليرة تعني حوالي 4 مليون يورو، ورغم ذلك لم يُسترد منها سوى 11%!  أما الـ89% فهل ستتمكن الحكومة من استردادها، ومتى وكم تساوي وقتها؟

حسب ما قالهُ السيد رئيس الجهاز المركزي للرقابة المالية محمد برق،لصحيفة الثورة السورية: (سبب تدني هذه النسبة يعود إلى أنّ القضايا المنجزة حتى نهاية عام 2021، أرسلت إلى الجهات العامة بانتظار الردّ عليها خلال شهر من تاريخ إبلاغها، وقد قامت السلطات بعملية الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة بحق الأشخاص المترتبة عليهم ضماناً لتحصيل وسداد هذه المبالغ).

هذه الـ22 مليار “سُرقت” من القطاع العام في 1056 مؤسسة إقتصادية، حسب السيد محمد برق. هذه المُكتشفة، فماذا عن غير المُكتشفة؟ أو التي لم يُسمح بكشفها؟

السيد خليل علاء الدين وكيل الشؤون الاقتصادية في الجهاز المركزي للرقابة المالية، قال: (أحد مؤشرات حماية المال العام هو حجم الأموال المستردة. في عام 2019 تجاوزت هذه المبالغ 11.5 مليار ليرة سورية و 749 ألف دولار اً أميركياً و254 ألف يورو. كشفت مديرية التحقيق حالات فساد وتلاعب بنحو 6 مليارات ليرة، استرد منها 2 مليار، وهو ما يعادل 30%، كما كُشف عن فساد بـ3 مليار ليرة سورية،  استرد منها 900 مليون ليرة).

كمثال؛ قرأتم بالتأكيد عن قرار الجهاز المركزي للرقابة المالية بالحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة لأمين صندوق فرع المصرف التجاري السوري بدرعا، بتهمة اختلاس 450 مليون ليرة من الصندوق، بتاريخ 16 آذار 2022. كما تمّ إعفاء مدير الفرع ومعاونه ورئيس دائرة الحسابات. السؤال هنا: الاختلاسات هذه تمت على فترة طويلة في عمليات الإيداع، أين هم رؤوساء أمين الصندوق هذا وما دورهم خلال هذه الفترة؟

محاربة الفساد والمحاسبة بهذه الطريقة “عقيمة”؛ وهي  كمن يُحاسب “الانتحاري” المُنفّذ للعملية الإرهابية ويترك الذين أرسلوه يستخدمون انتحارياً آخر ثم آخر.

على الدولة السورية استعادة هيبتها

بالإضافة لتحرير الجزيرة السورية والأراضي التي تحتلها تركيا والولايات المتحدة، وهو أمر مؤجل حالياً على الأقل، فقد آن الأوان لاستعادة الدولة زمام المبادرة وتحجيم القطاع الخاصّ دون إلغائه، وهو ما ذكرناهُ في بحث مركز فيريل للدراسات “أنقذوا الاقتصاد السوري” في 09 أيلول 2019. أي تعود الدولة أقوى من التاجر وتسيطر عليه وليس العكس، فتكون هي التاجر الرئيسي الوحيد المستورد والمُصدّر والمسيطر على السوق بطرح كافة البضائع والمواد الرئيسية في صالاتها.

المواطن السوري هو هيبة الدولة وليس وزير فاشل أو مسؤول مُلتصق أو تاجر حرب، والمسؤول الثرثار الكاذب الفاسد الذي يجب أن يُحاسب وليس الصحفي الذي فضحهُ

كما قلنا أنّ الوقت يمرّ  على “الداء” حتى نصلَ إلى ضرورة “الجراحة الاستئصالية” وهي الإنقلاب الشامل، وقد وصلنا. هيبة الدولة تمّ تحجيمها بقانون “الجرائم الإلكترونية”، فالصحفي الذي ينتقد “لصاً” أو يتحدث عن ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، تطاله المحاسبة بتهمة الإساء لهيبة الدولة، أمّا المسؤول الذي يسرق المليارات ولا يمكن استرداد أكثر من 11% منها، في أحسن الأحوال، فهذا يرفعُ من شأن الدولة!

الأوليغاريشية خطيرة والقضية باتت صراع وجود

بسطور قليلة على أن نخوض في هذا البحث قريباً نقول؛ محاولة تقليد دول أخرى بالنسبة للصداقة والمنفعة المشتركة مع “أثرياء الغفلة” لتأمين “سلعٍ” ما، لا تصحُ دائماً ولا طويلاُ. الكلام واضح… وهي طريقة خطرة قد تنقلب على مَنْ يعتمدون عليها. على الدولة السورية “جزّ الرؤوس” متوسطة الحجم على الأقل، كي ترتعدَ الرؤوس الكبيرة. تركُ فلان (ثري حرب أو مسؤول مُلتصق بالكرسي) يكبر ويكبر حتى يُشكل حوله جيشاً من المافيا، أمرٌ ليس ذكياً. هذا الفلان سيتكاتف مع فلان آخر، وقد ينقلبون، باستخدام واوا الجماعة، ضد الدولة، فمصلحة الأوليغاريشيين أهم من مصلحة الوطن وما يُسمى بـ “المواطن”.

هل من مؤشرات إيجابية لتحسن الاقتصاد السوري

كما عودناكم، لن نبيعكم أحلاماً وردية. يمكن أن يتحسّن الاقتصاد السوري ومعه الحياة المعيشية للمواطن، لكن بشروط. هذه الشروط حالياً غير متوفرة إلا بشكل ضئيل للأسف، وكله مرتبط بالوضع الدولي وإمكانية بدء إعادة الإعمار والحل السياسي، أي بالضوء الأخضر الأميركي للمنتظرين على الإشارة الضوئية من زعماء الدول العربية “الشجعان”. يُضافُ لهذا الحرب في أوكرانيا ونتائجها من انتصار روسي أو هزيمة، وهذا سينعكس على كافة الدول التي أيدت الهجوم الروسي أو عارضته.

لهذا نُكرر عسى أن يُفيد التكرار، لإنقاذ ما تبقى من الاقتصاد السوري وضمن الوضع الحالي من عقوبات واحتلال وأزمات عالمية، على الحكومة السورية وضع خطة اقتصادية تبدأ بمحاربة الفساد

ودعم المزارعين وصغار الصناعيين والكسبة والكفاءات والخبرات السورية.

طالما هناك أرض زراعية وشمس ساطعة ومياه للري، لا يجوز أن يعاني المواطن من الجوع أو إرتفاع الأسعار. وإذا كانت كافة المواد الأولية والتسويق والبيع داخلي 100%، فلماذا يتم ربط ذلك بسعر صرف الدولار؟ 

دعم المشاريع الصغيرة التي يقوم بها المزارع والفلاح والصناعي، أهم من المهرجانات وحلبات الدبكة والضحك على اللحى، وإلقاء اللوم على العقوبات ومعها جو بايدن. عندما نراقب أسعار المنتوجات الزراعية نرى أنّ الخاسر الأكبر هو المزارع والفلاح وكذلك العامل والصناعي، بينما تكون أرباحُ التاجر وصاحب محل العرض بين 250 و350%، أما آن لهذه النسب من أن تتغيّر، وهل يحتاج تسويق “الحمضيات” في الساحل السوري لتدخّل رئاسة الجمهورية!

ادعموا المزارع والصناعي السوري، يعطيكم أكثر وينقذكم

متطلبات المواطن السوري متواضعة وبسيطة. وإنعاش الإقتصاد السوري لا يحتاج لأرقام فلكية يتم تداولها، وكما يسهلُ ضرب الإقتصاد يسهل أيضاً إنعاشهُ لقد سئم هذا المواطن من تصريحات المسؤولين ولم يعد يطالب بالشفافية أو ظهور  وزير ما على الإعلام وشرح ما يحدث ببساطة، بل أصبح يتمنى أن يصمت هذا المسؤول، وإلى الأبد.

لا نتحدثُ هنا عن جعل الاقتصاد السوري عالمياً، بل عملية إنقاذ تبدأ من الداخل، الداخل أولاً وثانياً، والذي ينتظرُ حليفاً أو دولة خليجية تعطيه حلاً سحرياً، فعليه انتظارُ “الدبس” من النمس طويلاً حتى يلعنه التاريخ، والتاريخ لا يرحم. مركز فيريل للدراسات. 06 نيسان 2022.