
هل جَنَت الإماراتُ على نفسها؟ 29.06.2026 مركز فيريل للدراسات. لزيادة التوضيح، أنصحكم بمشاهدة الفيديو
سبقَ وتحدثنا عن أخطاء الإمارات السياسية والتي تسببت بمشاكل كبيرة، اقتصادية وحتى وجودية، نعم وجودية. كان ذلك في بحث أوسع نشرناه بتاريخ 10.12.2025 تحت عنوان (الحرب القادمة بين الإمارات والسعودية)، ويبدو أنّ الأمور تطورتن أسرع من المتوقع بعد الحرب ضد إيران واشتراك فعلي لعدة دول خليجية بالقتال ضد طهران، منها الإمارات حيث نُخصّصُ حديثنا اليوم
كما اسلفنا؛ حتّى منتصف عام 1971، لم تكن هناك دولة اسمها الإمارات، بل مجموعة مَشيخاتٍ مُتصارعِة فيما بينها وبين عُمَان والسعودية، كما حدَثَ في القتال بين الريّاض ومَسقط حول واحة البريمي.
فجأةً وبأمرِ المُحتلّ البريطاني، رُسِمت حدودٌ تُزيدُ الخِلافَ المُستقبلي، فتحوّلت بسرعة كبيرة، من “إماراتِ عُمان” بتوَلّي شيخٍ استطاع جمع شتاتها يُدعى زايد بن سلطان رئيساً، وصارت الإمارات العربية المتحدة، ساهمت تلك الجهود مع استخراج الثرواتِ الباطنية بتطوّر سريع ومذهل للمنطقة بشكل عام وللإمارات بشكل خاص، إلى هنا كانت قصة نجاح جيدة والحقُّ يُقال.
أين بدأت مشاكلُ الإمارات العربية؟
ما حدث للإمارات حدثَ مراتٍ في الدول الناشئة سريعة الإزدهار، فلم تقفْ طموحاتُ أبناء زايد عند حدودِ الإمارات السبع، فبعد وفاةِ والدِهم عام 2004 مباشرة بدأت الاتصالات مع تل أبيب، ظنّاً منهم أن إسرائيل هي المُنقذ الذي سيرفعهم أكثر وأكثر، لينافسوا السعودية مبدئياً ثم يتجاوزوها إلى الأكبر منها، وهنا كانت أكبرُ الأخطاء القاتلة. تخطّت طموحات ورثة زايد بن سلطان حدودَ الخليج لتصلَ إلى ما هو أبعد من سدّ النهضة الإثيوبي!
اغتيال المبحوح في دبي أسوأ جريمة إماراتية بامتياز
لم يأتِ الدعمُ الإسرائيلي عقِبَ اغتيال محمود المبحوح في قلبِ فندق دُبي “الآمن” بتاريخ 10.01.2020، بتسميمه ثم بصعقهِ كهربائياً ثم خنقه، تخيلتم الجريمة تحت مرآى عيون شرطة دبي “العريقة”؟ الواضح أنّ تقصيراً كبيراً كان بخصوص حماية المبحوح في قلب الإمارات، هذا إن أحسنّا النّية، ولا يمكن ذلك نهائياً، لماذا؟ لأنّ وجدنا بمركز فيريل أنه في ملف المبحوح 4 محاولات اغتيال سابقة، كانت آخرها في دبي، نعم محاولة فاشلة في دبي وبمعرفة الشرطة هناك. المبحوح كان في دمشق ثم سافر للإمارات في تشرين الثاني 2009، مرردوا له في الطعام جرعات سمّ تسببت بمرضه دون وفاته، فعاد إلى دمشق بجواز سفر عراقي لكن بمعرفة الأمن الإماراتي. بعد شهرين عاد إلى دبي ليتلقى نفس السمّ وبنفس الجرعات، ثم الصعق الكهربائي وبعدها الخنق. هل تعلمون كم شخصاً شارك بالعملية؟ 9 أشخاص والنتيجة؟ استنكار وشجب إماراتي للموساد والاستنكار يعني الشكر والمشاركة
الدعم الإسرائيلي للإمارات أهم أسباب انهيارها
جاء الدعم الإسرائيلي كما قلنا بعد وفاة العقبَة الكأداء زايد بن سلطان، هنا شعرَ الحُكّامُ الجُدد أنّهم الأقوى في المنطقة فضربوا يميناً ويساراً، متناسين “السيادة” والكرامة بجعل دبي “مركز الاغتيالات العالمي”، ضربوا من البحر الأحمر واليمن إلى القرن الإفريقي والسودان ومعها ليبيا وتشاد، ولن ننسى سوريا ومشروع الجولان المُحتل عام 2018، الذي أشرنا إليه في مركز فيريل آنذاك، ورفضهُ بشار الأسد.
كان الصدِامُ الأوضح مع الجار الأكبر، السعودية،حيثُ حاولت الإمارات ليس فقط لعبَ دور الرياض، بل تجاوزتها منذ البدء بقصفِ اليمن دون حتى إِعلامِ شركاء العدوان.
توسّعَ صراعُ النفوذ الإماراتي السعودي بصمت، وكان السؤال ليس: هل هناك خلاف بين الرياض وأبوظبي؟ بل: هل مازال بالإمكان احتواءَ هذا الخلاف؟ وجوابنا كان النفي، يجبْ أن ترفعَ إحداهما الراية البيضاء للأخرى.
امتدت الخلافاتُ لتشملَ دولاً أُخرى، فتشكّلُ مُعسكران مُتحاربان ضمّ أتباعاً كُثر، بينما تدفعُ الشعوبُ ثمنَ خلافهما ولتذهبْ هذه الشعوبُ إلى الجحيم.
يطلعُ علينا بين الفَينةِ والأخرى، مَنْ يتحدثُ كَذِباً عن الأُخوّة بين البلدين مع ابتسامات صفراء تُخفي وراءها جبالاً من الكُره والمؤامرات المتبادلة. الحربُ الخليجية الباردة ظهرت للعَلَن في الحرب الأخيرة، فباتت منظمة أوبِك ومعها مجلس التعاون الخليجي من المَنسيات، خاصّة وأنّ أكثر من محمية خليجية تُدافعُ عن وجودها وليس فقط عن منظمةٍ ما.
نجحت الإمارات في عدة محطات
لاشكّ أنّ الإمارات نجحت في عِدة محطّاتٍ هامة، بهذه السياسة التي يراها كثيرون “رعناء” نجحت بالاستيلاء على ذهب السودان وتشاد مثلاً، بالوصول إلى شبه تحالفات “متناقضة” مع وضد الروس والأميركيين. المهم أن تخدم مصالحها ومصالح إسرائيل. نجحت بتمويل مشاريع زراعية في أفريقيا تحت شِعاراتٍ “إنسانية برّاقة “. نجحت بجعل الإمارات قِبلَة سياحية تدرّ أرباحاً طائلة، وبجذب كافة أنواع “الأثرياء” والمشهورين للحصول على الإقامة الذهبية. نجحت بتهديد أمن عدة دول ليس بالضرورة عسكرياً، بل تهديد الأمن المائي أو الغذائي، كما لعبت دور الوسيط في بعض القضايا الشائكة بحيث استولت على دور قطر. نعم تراجعَ الدور القطري لفترة ليست قصيرة. هذا في عالم السياسة يُعتبرُ نجاحاً، على اعتبار أنّ هذا نجاح طبعاً.
بدأت المأساة عندما وسّعت خطوتها، وقعت في مَطبّاتٍ عديدة، فالدين الإبراهيمي الإسرائيلي لم يلقَ هذا النجاح المأمول، كما أنّ سمعة الإمارات تدنت إلى مقاييس مُخجلة عالمياً، فدرجة الأمان فيها تراجعت والحديث البرّاق عن الإنسانية فُضِحض بعد الفاشر، كما أنّ دعمها طرفٍ ما في سوريا على حساب الآخر وبمساعدة عثمانية أحياناً، والدافع فقط الوقوف بوجه السعودية، دعكم من قصص “الإنسانية والأخوة الكاذبة”.
مشاركتها بالعدوان على إيران قمة هرم الجليد الإماراتي
صحيحٌ أنّ الإمارات نجتْ بأعجوبة، رغم أخطاء حكّمها، لكن هل لازمها الحظُّ دائماً؟ العواقبُ الخطيرة بسبب خطواتها الأخيرة بدأت، فهي من أكبر الخاسرين نتيجة العدوان على إيران، والذي شاركتْ فيه دون شك ضمن فريقٍ أميركي إسرائيلي
لم تتحرّك الإماراتُ في اليمن وممراتها وجزرها ضد السعودية فقط، بل سعت لبناء طوق يُحيط بالسعودية ومعها مصر، من سقطرى وعدن والمهرة، إلى إريتريا وجيبوتي والصومال، وصولاً إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي والسودان وليبيا، فجاءتْ الحرب ضد إيران لتقطعَ هذا الطوق وأين؟ في شريان العالم للطاقة وتشلَّ اقتصاديات العالم وليس فقط دويلات الخليج، دون ضوء أخضر واضح لانتهاء الحرب رغم الهدنة الهشة الحالية.
هل جَنَت الإماراتُ على نفسها؟
إلى متى تستطيعُ اقتصاديّاتُ المنطقة الصمود؟ هذا إن عادت الحرب ومُنِعَ التصدير بأمر إيران بعد إقصاء واشنطن؟
خسائر الإمارات لا تُحصى، والإنكماش_الاقتصادي_الإماراتي مجرد البداية، فإلغاء استثماراتها في عدة دول ومناطق تلاهُ الاستيلاء على أموالها، أو بدفعها لتكاليف الحرب من اقتصادها وإعادة إعمار إيران بـ 300 مليار دولار، وهذه نتيجة الحسابات الخاطئة ووضع البيض كلَّهُ في سلّةٍ واحدة
كفكرة بسيطة والحديث عمره شهرين: حسب شركة Anun_Capital، التي تضمُّ أغنى أغنياء هونغ كونغ وسنغافورا: (عادَ عدة مستثمرين آسيويين إلى دولهم بعد إلغاء فكرة الاستثمار في الخليج والإمارات تحديداً، رغم التسهيلات الضريبية). أمّا JMS-Gruppe فصرّحت: (دفعَ 15 مستثمر آسيوي 300 ألف دولار للشخص، ثمن رحلة طيران الهروب_من_الإمارات)!
لزيادة الأخطاء، سعتْ وللحفاظ على استثماراتها “الخاطئة” إلى تقسيم الدول وأولها السودان، ومعه تشاد، وتقاسم سوريا. نُكرر “تقاسم سوريا” وهنا بدأ الصدام الحقيقي بالدول الكبيرة، لهذا نرى أن القضية باتت في حرب الخليج وبالنسبة للجميع صراع_بقاء.
مُشكلةُ السياسة الإماراتية الحالية في أمرين كما نرى ذلك في مركز فيريل:
تبعيّة الإمارات العمياء لتل أبيب وواشنطن
تعاملها على أساس الربح فقط
أرادت الربح من السعودية في موضوع اليمن، دون وضع احتمال الخسارة، أو حتى عدم الاستفادة المادية، وهذه أحد قوانين القِمار، والمُقامر معروف النهاية.
كان الخلافُ مَنْ يقودُ الخليج العربي؟ السعودية أم الإمارات، مع حماية أميركية مزعومة، ليصبحَ الآن: منْ يتذللُ للإيراني أكثر في الخليج الفارسي؟ هذا على فرَض أنّ الحرب انتهت في هذه المرحلة دونَ جولاتٍ أخطر قادمة
29.06.2026 Firil Center For Studies Dr. Jameel M. Shaheen