هل يلتقي الأسد بأردوغان قبل حزيران؟ (الجزء الثاني) الدكتور جميل م. شاهين. 16.01.2023

هل يلتقي الأسد بابن سلمان قبل حزيران؟ الجزء الثاني. الدكتور جميل م. شاهين. 16.01.2023

بعد اجتماعات أمنية سرية لم تنقطع طوال 11 عاماً رغمَ القطيعة الإعلامية، عادت تلك الاجتماعات إلى الأضواء لكن على مستوىً أعلى وبرعاية ومشاركة روسية مباشرة، تُوّجت في 08 كانون الأول الماضي باجتماع موسكو، الذي ضمّ وزير الدفاع السوري علي محمود عباس ونظيره التركي خلوصي أكار  ورئيسي المخابرات علي مملوك وهاكان فيدان برعاية وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو. لم يكن الاجتماع مفاجئاً، فقد سبقهُ سيل من التصريحات سواء من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أو وزير خارجيته وغيرهما من المسؤولين الأتراك، انصبت كلّها ضمن سياق التقارب مع تصريحات مماثلة لكنها شحيحة من دمشق. بعد هذا؛ إلى أين ستمضي الأمور وما مصلحة سوريا وتركيا ومواقف الدول الرئيسية، وهل التقارب مع السعودية أفضل؟ هذا ما سنناقشهُ في الجزء الثاني “ضمن الحدود” ونزولاً عند طلب عشرات الرسائل التي وصلتنا من قرائنا الكرام.

ماذا تستفيدُ تركيا من التقارب مع سوريا؟

لاشك أنّ تركيا هي الرابح الأكبر مما جرى في سوريا على كافة الصعد، تماماً كما تربحُ من الحرب في أوكرانيا. لديها أوراق كثيرة تلعبها مع معظم الدول بما في ذلك سوريا، أوراق مع روسيا وإيران والإمارات والسعودية والولايات المتحدة وغيرها.

على أردوغان مواجهة الطاولة السداسية في انتخابات الصيف القادم، وهي تجمع معارض يضم 6 أحزاب. بين هذه الأحزاب زعماء سابقون في حزب العدالة والتنمية؛ أحمد داود أوغلو وعلي باباجان. المعارضة التركية لم تتفق حتى الآن على مرشح رئاسي واحد. بالمقابل؛ أعلن تحالف الشعب الذي يضم حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية، أنّ رجب طيب أردوغان هو مرشحه الأوحد. هنا تبدو فرص أردوغان جيدة بالفوز، رغم ذلك هو بحاجة للنجاح في ملفي الاقتصاد واللاجئين السوريين.

التقارب مع سوريا يجعلُ أردوغان في وضع أفضل من ناحية اللاجئين، ويُحرّكُ ولو قليلاً، الاقتصاد التركي الذي يُعاني من ارتفاع معدلات التضخم وسوء الحالة المعيشية للمواطن التركي.

التقارب التركي مع سوريا سينجزُ خطوة في مسيرة “سياسة صفر مشاكل مع الجيران” الشعار الذي رفعهُ أردوغان يوماً، ووجد نفسهُ على العكس تماماً “سياسة مشاكل مع كافة الجيران”. تركيا بحاجة للهدوء على الجبهة السورية للتفرّغ لجبهات أخرى قد تشتعل في بحر إيجة أو أرمينيا، فواشنطن لن تقف متفرجة على فلاديمير بوتين يسحب منها حليفاً استراتيجياً هاماً، ومهما يكن لابد من معاقبة تركيا أو تقديم إغراءاتٍ ما، فهل يغدر أردوغان كالعادة؟   

هل ستؤثر خسارة أردوغان للانتخابات على التقارب التركي السوري؟

أردوغان حتى الأسبوع الماضي كان يستعجلُ عودة العلاقات مع دمشق للأسباب الواردة في الفقرة السابقة، لهذا نرى في مركز فيريل للدراسات أنّ استعجالهُ هذا سيبردُ إن فاز بانتخابات 2023، ويصبحُ غير متحمّس لهذا الأمر. أو إن قدّم له الطرفُ الآخر عروضاً أفضل، أي الغرب بقيادة الولايات المتحدة. بالمقابل؛ إن خسر الانتخابات ماذا عن المعارضة التركية؟

سبقَ وقدّمت عدة أحزاب تركية معارضة طلباتٍ رسمية لزيارة سوريا ولقاء كبار المسؤولين السوريين، والهدف الرئيسي إعادة العلاقات الثنائية وملف اللاجئين. ماذا يحدث إن فازت المعارضة، هل ستتراجع عن مخططاتها؟

دوغو برينجك رئيس حزب الوطن التركي المعارض صرّح منذ آب 2019 عن نيته زيارة دمشق: (تتبنى الحكومة السورية دوراً محوريا في إنهاء وجود تنظيمي “داعش” و”بي كا كا” في الشمال السوري، لهذا فإنّ حكومة رجب طيب أردوغان ترتكب خطأً كبيراً بقطع علاقاتها مع الحكومة السورية. إنّ التنسيق مع الرئيس الأسد سيجنب تركيا الكثير من المخاطر).

الزيارة تلك لم تتم بسبب طلب دمشق تأجيلها لموعد آخر، وكان هذا بمثابة “إلغاء الزيارة”، مما دفعَ دوغو برينجك رئيس حزب الوطن التركي المعارض لاتهام حزب العدالة والتنمية الحاكم بالوقوف وراء “إلغاء” الزيارة تلك، وأنّ السبب هو هرولة حكومة أردوغان للقاء الأسد وحسب تعبيره: (لاتقابلوا دوغو برينجك قبل أن تقابلونا، اجتمعوا بنا قبل أن تجتمعوا به).

قبل شهرين من الآن؛ التقى أعضاءٌ من الحزب الديمقراطي التركي المعارض DP Demokrat Parti في بيروت، مع السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم، ووزير الهجرة اللبناني، لمناقشة مسألة اللاجئين السوريين. ترأس الوفد التركي إيلاي أكسوي نائب رئيس الحزب، وحسن جان أكاي ويالجن تازي.

في الحالين ومن خلال خبرتنا بمركز فيريل للدراسات بالطرفين؛ المعارضة التركية أو النظام الحاكم، لا يوجد اختلاف كبير فيما يخصّ علاقتهما بسوريا و”أطماعهما” التي تشمل كافة الدول المجاورة وغير المجاورة، والتي تصل إلى ليبيا والسودان، ونظرتهم “الدونية” للعرب، واعتبار أنفسهم، بما في ذلك العلمانيّون منهم، ورثة الخلافة الإسلامية والأوصياء على كافة المسلمين.

أليس من الأفضل لسوريا تطبيع العلاقات مع السعودية أولاً؟


عندما تكون الدولة متماسكة وتتمتعُ بموقع استراتيجي هام وثروات باطنية تحتاجها دولٌ عظمى، يمكنها وضع شروط أكبر من حجمها، أي بمعنى مُبسّط “تتدلّل”. هذا هو وضع السعودية وإلى حد ما تركيا. دعنا من “العنتريات”، فالرياض هي التي رفضت التطبيع مع سوريا . كنّا ذكرنا قبل سنوات أنها ومصر وقطر أكبر معارضي عودة دمشق إلى الجامعة العربية، شكّلَ هذا الكلام صدمة لبعض “عشاق” العروبة والمصير المشترك، وهو المبدأ الذي تتعامل به سوريا فقط.

عدوّ السعودية الأول في المنطقة ليست إسرائيل بل إيران، لهذا كان النفوذ الإيراني في سوريا مرفوضاً، تماماً كغيرها من معظم الدول العربية وطبعاً ابنة العم تل أبيب، والتخلّص من هذا النفوذ أهم شروط الرياض لعودة علاقاتها مع دمشق، حتى بضوء برتقالي من واشنطن وليس بالضرورة أخضر هذه الفترة تحديداً.

الرياض وقفت ضدّ الأميركيين بمساعدة الأميركيين؛ ضدّ الديموقراطيين بمساعدة الجمهوريين، وتعاملت بحيادية مع الحرب في أوكرانيا، يترافق ذلك بالسير في مشروع انفتاح وتطوير وحداثة تتحدث عنه وسائل إعلام غربية لا تُكّنُ الودّ لولي العهد، وسط اقتصاد وفائضٍ في الميزانية هو الأفضل عالمياً بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.  هنا تتفوّق السعودية على تركيا بوزن كلمتها لدى الجميع، وهنا أيضاً نرى في مركز فيريل أنّ التقارب مع الرياض قبلَ التقارب مع تركيا هو الخطوة السياسية الأصح، لعدة أسباب وردت ونُضيف عليها:
ليس للسعودية أطماع بالأراضي السورية، ليس لأنها ملاك، بل لعدم وجود حدود مشتركة وعدم وجود تاريخٍ استعماري مثل تركيا.

أمرٌ آخر؛ عودة العلاقات مع الرياض ستفتحُ الباب لعودة العلاقات مع كافة الدول العربية والإسلامية. وأخيراً؛ وضع السعودية الاقتصادي أفضل من تركيا بمراحل، لهذا فصداقتها السياسية والاقتصادية مجدية أكثر، وإن كان أردوغان يُهرول حالياً، فسنراه يركضُ ساعتها وبالاشتراك مع كافة “الحلفاء” على فرض أنّ لسوريا حلفاء.

هل التطبيع مع تركيا أمرٌ محسوم، وماذا عن احتمال الغدر؟

الأمر غير محسوم ولقاء الأسد بأردوغان أيضاً غير مؤكد، فبعد العروض المغرية الأميركية لأردوغان جعلتهُ يُفكر بالتراجع والغدر بروسيا وهذا ليس غريباً، ولا أظنّ أنّ الروس غافلون عن عدوّهم التاريخي.

لهذا رأينا مبادرة الكرملين للاتصال بأنقرة حسب تصريح الرئاسة الروسية اليوم، حيث أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مكالمة هاتفية مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، والموضوع الرئيسي كان العلاقات مع سوريا. البيان كان مختصراً، والأخبار الواردة تُشيرُ لعدم رضىً روسي عن التباطؤ في عملية التطبيع.

تركيا ستضع كافة العروض أمامها وتختار الأكثر ربحاً، وعلى سوريا أن تفعل الأمر ذاته، وتذهب مع العرض الأقل خسارة فوضعها لا يُمكّنها من الاختيار بين الأفضل بل بين الأقل سوءاً، بما في ذلك “تخفيف” العلاقات مع إيران، فقوة المهام المشتركة 153 والقوة 59 في أوج نشاطها هذه الأيام، والمشاركون الأساسيّون فيها باتوا من الجيش المصري والسعودي وأبناء “العمومة”، فَعَلَى أيّ جَانِبَيْكَ تَمِيلُ؟ نهاية الجزء الثاني. الدكتور جميل م. شاهين. 16.01.2023. مركز فيريل للدراسات. برلين.

نهاية الجزء الثاني. الدكتور جميل م. شاهين. 16.01.2023. مركز فيريل للدراسات. برلين.