تاريخ باب توما بدمشق. بحث من مركز فيريل للدراسات بإشراف الدكتور جميل م. شاهين مدير المركز. تاريخ النشر الأول. 30.08.2026.

سبقَ وتحدثنا في مركز فيريل للدراسات عن مملكة آرام دمشق، وما قدمتهُ للحضارة العالمية، نختصرُ بعضّ ما ورد في بحثنا السابق، بالتالي؛
سكن إنسان Homo neanderthalensisأو إنسان نياندرتال Neanderthals حَوض دمشق منذ عصور ما قبل التاريخ السحيقة، أي قبل 50 ألف عام، عِلماً أنّ هذا النوع من البشر انقرض قبلَ 40 ألف سنة. هذا ما أكدتهُ الاكتشافات الأثرية الغربية في غوطة دمشق. حيثُ عثرت بعثاتٌ فرنسية في تل أسود، جنوب دمشق، على قرية نموذجية مبنية من الطين والقش والقصب، عمرها أكثر من 9000 عام. لهذا اعتبرت المنطقة من أقدم المستوطنات البشرية. الكتشافات الأخرى المُبهرة كانت في هذه المنطقة حيث وجدوا 12 جُمجمة “مُحنّطة” وعليها نقوش وألوان جنائزية، نعم عمليات التحنيط بدأت من غوطة دمشق قبل أكثر من 9000 عام.
كذلك عثرتْ بعثاتٌ بلجيكية وفرنسية وسورية على أقدم مخازن للحبوب في التاريخ، في تل أسود وتل الغريفة قرب شواطئ بحيرة العتيبة. حيث طوّر المزارعون آنذاك، أدواتٍ زراعية من الصوّان ثم المعادن، والإثباتات جاءت بالتحليل بالكربون المشع Carbon-14, C-14، تبيّن أنّ تاريخَ بناء تلك “الصوامع” يعود إلى ماقبل 6300 قبل الميلاد.
لماذا قرّرَ الأراميّون بناء سور وقلعة دمشق؟
بعد استقرار قبائل الأخلامو “الآراميّون في سوريا، بدؤوا بتطوير أساليب الزراعة والري، ثم التجارة بين مناطق متفرقة. حصل هذا على مدى مئات السنين، كما اكتشفت البعثة الوطنية السورية ومعها الفرنسية ألواحاً طينية وحجرية، كُتِبَ عليه نصٌّ بلغة متطوّرة عن المسمارية، رآها علماء اللغويات؛ تطويراً لغوياً خاصّاً للغة جديدة تتطوّر بسرعة كبيرة، لتأخذ مكانتها كلغة رسمية لكافة الدوائر الرسمية آنذاك. حُدّدَ تاريخُ النصّ بـ1800 قبل الميلاد، مما يعني أنّ اللغة الآرامية بدأت فعلياً بهذا التاريخ.
يتحدث النصّ عن: (دمشق وحدة حضارية يجب أن تبقى بمناطقها موحّدة ضد أعدائها). المنطقة تل سكّا، ريف دوما، الرسالة موجهة من ملك دمشق إلى حاكم مملكة ماري “Zimri-Lim، بمتابعتنا في مركز فيريل وجدنا أنّ تاريخ الرسالة الدقيق سيكون 1772 قبل الميلاد، خاصة وأن الملك زمري هذا هو آخر ملوك ماري مع زوجته الأشهر شيبتو، وبقي في الحكم حتى 1759 قبل الميلاد.
إذاً بدأت مملكةُ دمشق بالتأسيس 1800 قبل الميلاد، إلى أن وصلنا للعام 1200 قبل الميلاد. فماذا حصل وقتها؟
مجاعة عالمية 1200 قبل الميلاد، ودمشق بخير!
اجتاحت مجاعة كارثية حوالي عام 1200 قبل الميلاد، العالمَ القديم المعروف آنذاك في شرقي المتوسط وصولاً إلى الشرق الأدنى. فكانت نهاية العصر البرونزي المتأخر، Late Bronze Age collapse، مصادر مركز فيريل من Futura. 08.06.2026، أي آخر الاكتشافات الأثرية العالمية المتطورة.
انهارت بسبب هذه الكارثة الطبيعية “البشرية”، عدةُ حضاراتٍ بعد أن ضربَ الجوع الشديد إمبراطوريات كانت قوية ومترابطة كالحثّيين واليونانيين الميسينيين، وحتى الفراعنة في دولتهم الحديثة، سبب الكارثة كان “علمياً” جفافٌ غير مسبوق بسبب تغيير مناخي طارئ مديد. أثبتت التحليلات العلمية الحديثة لعينات حبوب اللقاح وحلقات أشجار العرعر في سوريا القديمة، بدءَ موجة جفاف حادة حوالي عام 1250 قبل الميلاد. وبلغ هذا الأمر ذروته في موجة جفاف هائلة ومدمرة استمرت سنوات، بلغت أقصاها 1198 قبل الميلاد.
انهارت إمبراطوريات “اقتصاديات القصور” المصممة بناءً على إنتاج زراعي ضخم، دون مخازن كبيرة، وعندما انقطعت الأمطار بشكل مستمر، فشلت المحاصيل في تعويض النقص الحاد، فنفدت مخزونات الغذاء، وانهار النظام الاجتماعي والاقتصادي بأكمله.
حسب البرفسور Dr David Kaniewski، من جامعة Paul Sabatier-Toulouse الفرنسية والبعثة الأثرية العالمية، عثر علماء الآثار على ألواح طينية ورسائل مسمارية تعود لتلك الفترة بالتحديد، وتُظهر حالة الذعر الشديد التي سببتها المجاعة: سواء في الإمبراطورية الحيثية شمالاً، أو الفرعونية جنوباً، من النصوص الطينية قول وزير البلاط الحيثي: (إنها مسألة حياة أو موت!).
تُظهر السجلات أن الحيثيين توسلوا لمصر طلباً للمساعدة، فأرسل فرعون مصر “مرنبتاح Merneptah ” عام 1207 قبل الميلاد، شحناتٍ ضخمة وعاجلة من الحبوب عبر البحر “لإبقاء أرض الحيثيين على قيد الحياة، رُغم معارضة وزيره ومستشاريه، كون مصر أيضاً بدأت تُعاني من الجفاف.
حتّى في أوغاريت السورية القديمة؛ سجلت الألواح نداءاتِ استغاثة إلى القوى المجاورة قبيل تدمير المدينة. وجاء في أحد النصوص الأوغاريتية: (تعم المجاعة بيوتنا. إذا لم تصلوا بسرعة، فسنموت جميعاً جوعاً).

على العكس كانت مدينة دمشق، نعم استطاعت دمشق البقاء وبقوة بتحقيقها لمسألة “الاكتفاء الذاتي” منذ ذلك الحين، بفضل أساليب الزراعة الحديثة وقنوات الري التي لا تهدر المياه أثناء مسيرها، سواء في سهولها الجنوبية الغربية عند سفوح جبل حرمون، أو في غوطتها الشرقية والغربية، والتي عانت أيضاً من شح المياه، لكن دون انقطاع تام. وكانت مخازنُ الحبوب عامرةً تكفي عقوداً. وفوق هذا عرِفَ الآراميون كيف يستغلّون انهيار الإمبراطوريات القوية، لبناء حضارة ومملكة قوية أسموها آرام دمشق.
كلّ شيء يسيرُ على ما يُرام، أين بدأت المشكلة إذاً؟
بداية غزوات الجوعى والهمج
مع تأثير دومينو الجوع وانطلاق سلسلة من التفاعلات القاتلة في العالم القديم: بدأت بهجرات جماعية جديدة من أماكن القحط واختفاء الغذاء، هاجم غُزاةٌ مصرَ وسوريا الكبرى، وصفهم بعضُ المؤرخين بـ “غزاة البحر”، يبدو أنهم جاؤوا من قبرص والجزر اليونانية الكبيرة مثل كريت. كانت الغزوات على فتراتٍ متباعدة دون تنظيم، وكأنهم أهلُ فزعاتٍ ومشردين جائعين، لعبت هذه الغزوات مع التمرد الداخلي، بسبب عجز الطبقة الحاكمة عن توفير الأمن الغذائي أو الطمأنينة الروحية، دوراً رئيسيّاً في اندلاع اضطراباتٍ مدنية واسعة النطاق وصراعات طبقية.،وبالتالي انهيار الدولة بعد إضعاف الجيوش الإمبراطورية وتعطيل شبكات التجارة الدولية، وجعل المراكز الحضرية الكبرى عرضة تماماً لغارات الانتهازيين، مما أسفر عن إحراق عشرات المدن الكبرى وهجرها.
كانت دمشق من أكثر المدن الحضرية تعرّضاً لغزوات الجوعى، هنا قرّرَ الآراميون حمايتها بأية طريقة، ولأنّ الدمشقيين أبناءُ حضارة وعِلم، لم يهتموا ببناء جيش قوي أو بتدريب أبنائهم على القتال، وهذا الأمر مستمرٌّ حتى يومنا هذا
لهذا رأى الآراميّون الدمشقيّون أنّ الخَيَار الأمثل هو جدارٌ كبير يحمي مدينتهم من غزوات الرعاع، فبدؤوا ببناء سور حجري كبير يحيطُ بها، أسموهُ “سور دمشق”، سنة 1201 قبل الميلاد، فتحوا فيه أبواباً سبعة حسب المعتقدات السومرية القديمة، بتقديس الرقم 7، Cuneiform حسب النُسخ الآكادية 2400 قبل الميلاد Akkadian texts.
استمرت أعمالُ بناء سور دمشق عقوداً طويلة، لكنّها لم تمنع وصولَ الغُزاة إلى قلبِ دمشق وأبواب ملكها “رزون بن إل يدع” 965 قبل الميلاد.
رزون هذا يعني الأمير بالآرامية، وكان أشد أعداء إمارة يهودا حسب العهد القديم! دققوا في هذه المعلومة.
تابعَ الآراميون عملية حماية مدينتهم ببناء حصن دمشق الملكي، الذي أصبح فيما بعد قلعة دمشق، عند ضفة بردى الشمالية، إلى الشمال من معبد “الإله هدد” الذي أصبح الآن الجامع الأموي.
كما وسّعوا الأسوار نتيجة زيادة السكان بعد انهيار “مملكة صوبة” في الغرب وهجرة سكانها إلى دمشق، فأصبحت مساحة مدينة دمشق حوالي 218 ألف متر مربع، بعد أن كانت نصف هذه المساحة. كما شقّوا القنوات والترع ووزعوا نهر بردى إلى عدة فروع لسببين، وهنا لن نُكرر ما ذكرناه في بحثنا الواسع عن آرام دمشق.
الآراميون بنوا سور دمشق وأبوابها السبعة وقلعتها ومعبدها
باب توما بوابة التاريخ الدمشقي
نعودُ بعد هذه المعلومات، لتاريخ بناء باب توما وهو 1201 قبل الميلاد، خلال بناء سور دمشق. بعد الانتهاء من البناء الذي تزامن مع بناء باب شرقي، كأحد أهم الأبواب المتجهة شمالاً وشرقاً نحو الغوطة، لاستقبال المنتجات الزراعية. أطلقوا اسم (تَرْعا دْ-شِمْشا) على الباب الذي يتجه شرقاً حيثُ يستقبلُ الشمس كلّ صباح، فأصبحَ الآن باب شرقي. بينما أطلقوا اسم ܕܵܪܘܲܐܙܵܐ ܕܥܲܫܬܵܪ أو لتسهيل القراءة “ داروازا دْ-عَشْتار”، باب عشتروت، آلهة الخصب لدى الآراميين والفينيقيين، ومنها أخذ الاسم نبوخذ نصّر الاسم، عندما بنى بوابة عشتار عام 575 قبل الميلاد.
بقي اسم باب عشتروت صامداً ألفَ عام، إلى أن جاء الرومان فغيّروه لاسم بوابة فينوس، وحقيقة الأمر لم يغيّروه! لأنّ فينوس هي كوكب الزهرة وهي نفس الاسم الأصلي عشتروت. التغيير الأوضح جاء بعد الميلاد، ليُصبحَ باب توما، وعلى يد البيزنطيين خلفاء الرومان أنفسهم.
مَنْ هو توما الرسول؟
مع تحوّل دمشق إلى المسيحية عام 37 للميلاد، لتُصبحَ بأغلبية مسيحية وأقلية يهودية، وتحوّل الحكّام الرومانيين إلى المسيحية أيضاً، أطلقَ البيزنطيّون بعد اجتماع ميلانو 331 للميلاد اسم باب توما على باب فينوس، تيمّناً بالقديس توما الرسول، أحد تلامذة السيّد المسيح.
توما الرسول، اسم آرامي ܬܐܘܡܐ، يعني التوأم كما أخذتهُ العربية عن الآرامية، وكان توأمهُ “أدي” الذي توفي لاحقاً. توما من مواليد الجليل بفلسطين، واسمه الحقيقي “ يهوذا توما ديديموس”، حتى ديديموس هي كلمة يونانية وتعني أيضاً التوأم! شاركَ توما الرسول بإقامة أليعازر من بين الأموات، ومقولته الأشهر بعد تحذير التلاميذ من ذهاب السيد المسيح، لأنّ اليهود يُخططون لصلبه: (لنذهب نحن أيضاً لكي نموت معه) وفي العشاء الأخير.
بشّر توما الرسول في سوريا والمشرق، بدأ بدمشق ثم شمالاً إلى مملكة الرها، وبلاد الرافدين ثم بلاد فارس، إلى أن وصلَ الهند، فأقام فيها عدة سنواتٍ لهذا لُقّبَ “رسولُ الهند”، إلى أن قتلهُ رجال الدين في مدينة Maribor، لأنه استقطبَ آلاف الشبان إلى الدّين المسيحي، بعد طلبهِ من “الآلهة الأصنام” التي كانوا يعبدونها، فعلَ أية معجزة إلهية، دون جدوى. فهاجمهُ الهنود بذريعة السخرية من آلهتهم، وطعنوه بالحراب بتاريخ 03.07.72، فخلّدتهُ بيزنطا بتسمية باب توما. كما اعتبرَ هذا اليوم عيداً دينياً لدى المسيحيين.
منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا، وعقِبَ إعلان الدين المسيحي دين الدولة أي قرابة 313 للميلاد، بعد مرسوم ميلانو، وحيّ باب توما واحدٌ من أرقى الأحياء الدمشقية، بمعالمَ تاريخية ودينية هي الأقدم في العالم دون استثناء؛ فكنيسة حنانيا هي الأقدم في العالم، حيث كانت معبداً وثنياً تحت الأرض، صلّى فيه المسيحيّون الأوائل صلاةً مسيحية بغطاء “وثني” لاتقاء شرّ الرومان، بدءاً من عام 37 للميلاد
محاولاتٌ فاشلة لهدم وتغيير اسم باب توما!
جرت محاولاتٌ فاشلة لتغيير اسم باب توما. مع الفشل المستمر؛ قرروا هدمه بذريعة الحروب، فتضاعفَ فشلهم، كون اسم باب توما ترسّخَ في الذاكرة السورية والعالمية. من تلك المحاولات اليائسة:
محاولات السلجوقي نور الدين محمود بن عمادِ الدِّين زَنْكِي، وحاكم دمشق آنذاك “مجير الدين أبق” عام 1154 للميلاد، هدمَ باب توما بذريعة الحروب الصليبية، عندما فشلا، قررا الانتقام من سكان دمشق جميعهم، بفرّض ضرائب مضاعفة بعد فشل الهدم.
حاولوا هدمه أيضاً بعد مجازر باب توما ضد المسيحيين عام 1840، بتحريضٍ وغطاءٍ ودعمٍ عُثماني طبعاً، لكنهم اضطروا لاحقاً وبعد ارتكابهم لأبشع المجازر في التاريخ، بنحر وإحراقِ 11 ألف مسيحي على قيد الحياة، في حيّ باب توما لوحده، إلى إعادة ترميم باب توما وباب شرقي. كان هذا عام 1863، تزامناً مع إعادة بناء الأحياء القديمة التي أحرقها “الرعاع” بسكانها آنذاك، بينما كانت فرنسا وبريطانيا وهولندا وروسيا تتفرّج جميعها! لكنها والحقّ يُقال؛ استنكرت وشجبت. بعد مجازر 1840 في باب توما وباب شرقي، انتقلت الكنيسة الأرثوذكسية إلى حي باب توما، كنيسة المريمية.
يُعتبرُ حيّ باب توما الأكثر أماناً واستقراراً في المنطقة وليس دمشق فقط، رغم المحاولات الأخيرة لهدمه وتغيير المعالم الأثرية والديموغرافية، تبعاً لأوامر الكيان، لأنه يهدم أكاذيبهما التاريخية، والقصدُ واضحٌ لمن يُريد المعرفة. لكنّهم كما فشلوا سابقاً، سيفشلون اليوم وغداً، ويبقى باب توما شاهداً على أقدم وأرقى حضارة في التاريخ، اسمها دمشق.
تاريخ باب توما، بحثٌ من Firi Center For Studies. Berlin. Dr. Jameel M. Shaheen 30.08.2026