
حلفُ مكّة؛ حلفُ الخاسرين أم حلف العبيد؟ إدارة التحرير في مركز فيريل للدراسات.10.08.2026 الدكتور جميل م. شاهين. الباحث زيد م. هاشم
وقّعت كلّ مِن السعودية وتركيا وباكستان، بتاريخ 07.08.2026 اتفاقيةَ دفاع مُشترك، ضمن قمة زعامات البلدان الثلاثة: بن سلمان. أردوغان. شريف. جاءَ البيان الختامي مُقتضباً حذراً، مؤكداً أنها اتفاقيةٌ لتعزيز الردع المشترك مع تطوير التعاون الدفاعي بينها، مع الإصرار على أنها غير موجهة ضد أحد، وتحديداً إيران. الاتفاقيةُ وقبل أن يجفّ حبرُ المُجتمعين على “التقوى والصلاح”، فشلت في أول اختبار! إلى التفاصيل:
من حلف بغداد إلى حلف مكّة!
وقّعت بتاريخ 24.02.1955 كلٌّ مِن: تركيا وباكستان والعراق وإيران “الشاه”، وسيدتهم بريطانيا تحت أمرة الولايات المتحدة طبعاً، على اتفاقية، أسموها آنذاك “حلف بغداد” Baghdad Pact. لم يتعلّم الموقعون على حلف مكة من التكرار!
لم يُصرّحوا يومها أنّ الهدف الحقيقي لحلف بغداد؛ الوقوف بوجه الاتحاد السوفيتي، لأنه الهدف الحقيقي لكن في الخفاء، أمّا إعلامياً وللعامّة، فالتالي مُلخّصٌ لموادها:
المادة الأولى: الغرض من الاتفاقية؛ الدفاع عن أمن وسلامة الأطراف المتعاقدة، والتعاون المشترك لصيانة الأمن والسلامة والدفاع عن الدول الأعضاء، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.
المادة الثانية: تقوم السلطات في كل دولة بتدابير عسكرية وإدارية، لتنفيذ التعاون الفعّال بين الأعضاء.
المادة الثالثة: تتعهد الدول الأعضاء في الحلف، بعدمِ التدخل بشؤون بعضها البعض، مع حلّ خلافاتها بالطرق السلمية
المادة الرابعة: يحقّ للدول الأعضاء توقيع اتفاقياتٍ إضافية فيما بينها، شرط ألا تتعارض مع الهدف الرئيسي للحلف.
المادة الخامسة: الباب مفتوح لانضمام أية دولة عربية أو إقليمية، تُعنى بالأمن والسلام في المنطقة، شرط موافقة كافة الأعضاء.
المادة السادسة: يؤسسُ مجلسٌ توجيهي باجتماعات دورية، يُتابعُ تنفيذ المعاهدة وتنسيق السياسات.
المادة السابعة: مدة المعاهدة خمس سنوات قابلة للتجديد، مع أحقيّة كل دولة بالانسحاب بعد ستة أشهر ، وتبليغ باقي الأعضاء رسمياً.
يمكن لمتابعي مركز فيريل الكرام مقارنة البنود السابقة بالحالية، مع فارق زمني بينهما هو 71 عاماً، فماذا حصل بحلف بغداد وأين هو قبلَ أن يجفّ حبرُ الموقعين؟
حلفُ بغداد الأفشل تاريخيّاً، ماذا عن حلف مكّة؟
دعونا نعطيكم لمحة عمّا جرى آنذاك ولكم الحكم على الحالي من الأحداث؛ لم تطلب أية دولة الانضمام لذاك الحلف، بل على العكس؛ وقبلَ أن يجفّ حبرُ أقلام الموقعين أيضاً، قرّر العراقُ الانسحاب من الحلف، مع استلام عبد الكريم قاسم الحكم، وميوله نحو الاتحاد السوفيتي الداعم الرئيسي لثورته ضد الحكم الملكي. هنا اضطر الأعضاء بزعامة واشنطن لتغيير الاسم من Baghdad Pact، إلى CENTO وهي اختصار لـ Central Treaty Organization، منظمة المعاهدة المركزية، فتضطرُ الولايات المتحدة للظهور علناً كعضو أساسي بعد أن “ادّعتْ” كذِباً أنها عضو مراقب.
ماذا فعل عضوات حلف بغداد تجاه القضايا الرئيسية؟
أعلن حلفُ بغداد بأعضائه جميعهم، عدم التدخّل بالصراع العربي الإسرائيلي، بصورة أوضح: الوقوف بجانب تل أبيب، بدءاً من تركيا إلى إيران الشاه، إلى باكستان، فإسرائيل دولةٌ شقيقة!
على الطرف الآخر من الحلف الورقي؛ هاجمت الهند الباكستان عدة مراتٍ، في عام 1962 و1963 ثم 1964، وبحرب شاملة بتاريخ 02.01.1965 في إقليم Run Coach، ثم في 04.04.1965 و حرب سادسة بتاريخ 23.11.1971، ستّةُ حروب ضد باكستان “العضو” في حلف بغداد، ماذا فعل عضوات الحلف؟ شجب واستنكار ومطالبة بالتسوية السلمية. إسرائيل شقيقتكم ويجب عدم المساس بها مهما فعلت بالفلسطينيين، لأنهم من السيخ أو الهندوس، لكن لماذا هذا الرعب والتردد بمساعدة “الشقيقة” باكستان؟
لأنه ببساطة كان حلف عبيد تُبّع، بالإضافة لوقوف الاتحاد السوفيتي بجانب الهند آنذاك مع هزّ العصا لباكستان وتركيا شعوباً وحكوماتٍ، لم يهز العصا للعراق لأنها انسحبت من الحلف الورقي، وبدأت الدخولَ في عالَم الاتحاد السوفيتي، بينما التزمت إيران حياداً إيجابيّاً، مع بدء تغيير جذري في سياساتها بمساعدة سوفيتية خفيّة.
بتاريخ 07.01.1978 ومع اندلاع الثورة في إيران، قررت طهران الانسحاب فانهار الحلف نهائياً، وراحت الأموال التي زعمت واشنطن أنها ستكون لرفاهية الشعوب، ذهبت لجيوب الشركات وانتهى الحلف إلى الأبد.
هل سيكون حلف مكة أفضل من حلف بغداد؟
ذكرنا حلفَ بغداد عن قصد طبعاً، لمقارنته بالحالي تاركين للأيام الحكم على هذا التشبيه. مما جاء في البيان الختامي لحلف مكة؛ تهدفُ الاتفاقية لتعزيز الردع المشترك وتطوير التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، وتنصّ على أنّ أيّ هجوم مسلح على إحدى الدول الموقعة يُعدُّ هجوماً على الجميع! أي حلف دفاع مشترك. حسناً ماذا عن اتفاقية الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية؟
بتاريخ 17.09.2025، وقّع بن سلمان وشريف، أيضاً وفي قصر اليمامة بالرياض، اتفاقية دفاع مشترك، بعد التوقيع؛ ماذا فعلت باكستان عندما قصفت إيرانُ السعودية؟ ماذا فعلت باكستان عندما قصفت اليمنُ السعودية؟ شجب واستنكار. ممتاز
السؤال هنا:
ماذا ستفعل السعودية ومعها تركيا إن هاجمت الهند باكستان؟
ربما يتجاوزون الشجب فيمتنع أردوغان عن تناول الباذنجان يومين؟ لم ننتهِ من سؤالنا بعد، عندما هاجمت مُسيّرة يمنية مصفاة جيزان لأرامكو، فاشتعلت النيران في خطوط أنابيب البنزين والسولار، بينما “أقسمت” السعودية أنّ المنطقة مغلقة منذ أسابيع، وهذا صحيح لكنها أرض سعودية! والمسيرة الانتحارية؛ الا تُعتبرُ بنظر الحلف الجديد عدواناً على “عضو” فيه، فهل ستحشدُ تركيا أساطيلها ضد اليمن، أم ستقصفُ باكستان اليمنَ بالنووي؟ بنفس الوقت أسقطت اليمن طائرة تجسس أميركية فوق جيبوتي. وهذا يؤكد أنّ واشنطن هي الآمر الناهي لهذه الجيوش. كل هذا كان اختباراً لهذا الحلف بعد 24 ساعة على التهليلات والتكبيرات للعضوات الثلاثة.
هل حلف مكة دليل ضعف؟
بحيادية نقول؛ عندما يُؤسّسُ حلف ما ردّاً على حلف معاد، لا يُعتبرُ ضعفاً أو جبناً. السؤال هنا: هل جاء حلف مكة ردّاً على حلف آخر؟ سنستمر بالحياد؛ فلنفرض أنهم صادقون؛ وهو غير موجّه ضد إيران كما زعم وزير خارجية تركيا هاكان فيدان! إذاً ما أسباب تأسيسه؟
إذا أحسنّا النية فهو موجه ضد حلف آخر هو “حلف الهند”، الذي يضم الإمارات وإسرائيل وأرض الصومال وإثيوبيا وغيرها. بالحالين لن تكون الأمور بخير على الجميع، لأننا دخلنا نفقَ التحالفات العسكرية التي لا تقود إلا للحروب والموت.
أمّا إذا أردنا مناقشة الأمر سياسياً بعيداً عن النوايا الطيّبة، فالحلف دليل ضعف وخيبة أمل، بعد تخطيط فاشل فشلاً ذريعاً، كيف ولماذا؟
أهداف حلف مكة
لن نشكّ لحظةً أنّ الحلف تابعٌ وبأوامر ومخططات أميركية للدول الثلاث، لهذا ستكون أهدافهُ أميركية صرفة
أولاً مواجهة إيران
بعد فشل واشنطن وتل أبيب ومعها عشرات الدول الأخرى، بتركيع إيران. وهنا نقول حسب فيريل؛ الحرب لم تنتهِ ولن تنتهي بهذه الصورة، وكل ما يجري هو تحضير لجولاتٍ قادمة بانتظار الحرب الكبرى. بالعودة لأهداف حلف مكة: وجدت الدول الثلاث نفسها أمام خيار صعب، هو مواجهة إيران منفردة! فإن كانت واشنطن لم تنتصر فهل ستنتصر هذه الدول؟ لماذا إذاً لا تواجه إيران مجتمعة؟ ربما تغلب الكثرةُ الشجاعةَ فينجحون حيث فشلت واشنطن. هكذا يظنّون.
ثانياً: السير مع شرق أوسط جديد وملء الفراغ الأميركي
شرق أوسط جديد مضطرب بفوضى عارمة، مبني على انسحاب أميركي “قهري” من قواعده، بهذا الحلف يعتقدون أنهم سيملؤون الفراغ العسكري الأميركي حسب الأوامر، وبقوات عسكرية محلية الصنع، دون استبدال محتل بآخر، صيني أو روسي. فالاحتلال سيكون ذاتياً.
ثالثاً: بؤرة حرب طائفية سنّية شيعية لا تنتهي
أمرت واشنطن أن يملأ فراغها، مكوّن سنّي يقوده تنظيم الإخوان المسلمين في تركيا، وهو الأقرب لتل أبيب وبريطانيا. لم يأتِ غزل ترامب لأردوغان من فراغ، فعندما يُغازلُ زعيماً هذا معناه أنّ “مُصيبة” بانتظاره على مبدأ “انفشو”.
يمكن توكيلُ هذا التنظيم عبر الزعماء الثلاثة، بمهام أمنية في المنطقة، تبدأ بمناوشات هنا وهناك وعدم المساس بتل أبيب، وتركها تتوسع كما تشاء. نُكرّرُ: من شروط حلف مكة تجنّب المساس بإسرائيل وهذا تكرار لحلف بغداد. مع تصاعد الحروب الصغيرة تندمج بحرب واحدة كبيرة “دينية”، تحرق جميع الشعوب بعيداً عن الكيان، شرط أن يبقى الحكام على الكراسي.
مما يؤكّدُ طائفية الحلف هو مكان انعقاده واسمه، وهذا أكبر دليل على استغلال الدّين لغايات سياسية وطائفية.
رابعاً: محاولة فتح المضائق لأسباب اقتصادية
بعد فشل رامبو العبيط في حربه “المُلقنة” ضد إيران، وإغلاق مضيق هرمز، جاء إغلاق باب المندب بوجه السعودية ردّاً على حصارها على الشعب اليمني، وليس العكس. هنا انقلبت الحسابات أيضاً، لهذا نتوقع في مركز فيريل أن تتصاعد المواجهات العسكرية بين الرياض وصنعاء بدافع هذا الحلف، وظنّاً من السعودية أنها ستنجح حيث فشلت مع الإمارات وفوقها عشرات الدول الكبرى بما في ذلك الوليات المتحدة نفسها. مع التنويه إلى أنّ الثأر العثماني من اليمن لن ينساه الأتراك وسيحاولون تدمير ما بقي في اليمن.
أين مصر من الحلف؟
حسب معلومات مركز فيريل؛ شاركت مصر في المشاورات والاجتماعات التي سبقت التأسيس وعلى مدى شهرين، وتحديداً منذ أيار 2026. كما دُعيت الجزائر للمشاركة، الأخيرة رفضت نهائياً. أما مصر فبعد عدة لقاءات، قررت الانسحاب، دون تبيان السبب بشكل واضح، لكن برأينا أنّ سيطرة الإخوان المسلمين على الحلف، مع حلف مهترئ فاشل وطائفي، سيُضعفُ مكانة مصر إقليماً ويُزيد مشاكلها من كافة الجهات، حتى داخلياً.
لهذا آثرت القاهرة حتى اللحظة عدمَ دخول حلف يضرّ أكثر مما ينفع، خاصة وأنه سيكون ظاهرياً ضد الحلف الهندي، أي ستنجر مصر إلى أية مواجهة في الصومال وليبيا وإثيوبيا والسودان وأخيراً ربما مع تل أبيب، وهي الدولة التي ساهمت يوماً بتأسيس مجموعة عدم الانحياز.
أخيراً: نقطة هامة لم تُتداول: لا تحظرُ اتفاقية كامب ديفيد 1979 بين مصر وإسرائيل، دخول أية أحلاف عسكرية، لهذا لا نرى في مركز فيريل أنّ سبب التمنّع المصري حتى اللحظة، هو اتفاقية كامب ديفيد.
ماذا تُريد تركيا من حلف مكة؟
بالنسبة لتركيا، ما تريدهُ من الحلف هو إعادة جزء من نفوذها السياسي وإعادة الحياة لحزب العدالة الحاكم، كمنتصر دون قتلى أتراك! أردوغان وحزبه بوضع حرج انتخابيّاً، لكن ما يُدركهُ أردوغان ونظامه، أنّ أي اضطراب كبير في إيران يعني انتقالهُ إليهم بحكم الحدو د الطويلة. وأية حركة عسكرية كردية في إيران، تعني حركاتٍ في تركيا. لهذا لن تبتعد أنقرة في عدائها لإيران، ومهما كانت الأوامر الأميركية حازمة، لأكثر من شجب واستنكار وربما بعض البروباغندا الأردوغانية.
المقرر أن تُجرى الانتخابات التركية الرئاسية والبرلمانية، بتاريخ 14.05.2028. سبقَ لأردوغان الفوز مرتين متتاليتين منذ 2014 بعد أن كان رئيساً للوزراء، ومع تعديل دستوري مماثل لما جرى قبل تسليم بشار الأسد الحكم 2000. المهم هنا؛ كي يبقى أردوغان يجب أن يُعدّلَ الدستور، بحيث يكون على مقاسه فقط، والشرط الثاني أن يحصل على أصوات أعلى من منافسيه، وهذا كله وارد لكن غير مضمون، لهذا فحلف مكة، قد يمنحه ارتفاعاً في شعبيته مع الكثير من “البهارات” للشعب التركي الجائع، ووعود بناطحات سحاب وخطوط غاز وبترول…
الحلف يجعل تركيا بعيدة عن الصدام مع السعودية في سوريا، ويضمن حياد قطر تجاه السعوديين، في سوريا وليبيا والصومال إلخ. لكن ربما إن اصطدمت مع الأكراد، ستحضى بعبارات شجب واستنكار سعودية، لكن ماذا لو حصلت تمثيلية اصطدام بجيش الاحتلال؟
بالنسبة للأوضاع الاقتصادية في تركيا، وهذا أمر هام: نمو اقتصادي لعام 2026، هو 2,5% مقبول مقارنة بدول أخرى، لكنه متراجع مقارنة بعام 2025 عندما وصل لرقم جيد 4,7%. التضخم عند 31,75% وهو رقم مرتفع، ينعكس سلباً على المواطن التركي. المشكلة في انخفاض الصادرات 12,7% وارتفاع الواردات 2,1%، وهذا بدأ يزيدُ في العجز السنوي التركي، ويُضفُ أحمالاً تعاني منها أيضاً اقتصاديات الكثير من الدول. أخيراً: ماذا فعل حلف الناتو لتركيا منذ 18.02.1952 حتى اليوم؟ ألم تركع تركيا لدخول الاتحاد الأوروبي، ومنذ 14.04.1987 وهي تتقدّم سنوياً بطلب الانضمام وتُرفض ثم تتقدم من جديد وتُرفض! ما البديل عن الناتو والاتحاد الأوروبي إذاً؟ حلفٌ طائفي يؤكد ميول الأتراك التي طالما حذّر منها الأوروبيّون.
ماذا تريدُ باكستان من حلف مكة؟
يظنُّ البعض أنّ باكستان دولة قوية مستقلة، صحيحٌ أنها على علاقة قوية بالسعودية الوهابية تحديداً، منذ موّلت الرياض الإرهابيين من تنظيم القاعدة السعودي في أفغانستان ضد السوفييت، وبمساعدة باكستانية بشرية، إلى تمويل الإرهابيين في سوريا وليبيا وغيرها.
لكنّ باكستان أضعف من أن تكون مستقلةً، فالصين هي مَنْ يُقرر بالتنسيق مع بريطانيا إلى حد ما.
الوضع الاقتصادي في باكستان سيء للغاية: 98,7 مليون باكستاني تحت خط الفقر العالمي، أي لدى باكستان 100 مليون جائع حتى ساعة إعداد هذا البحث من مركز فيريل، وسط نمو سكاني مرتفع جداً واقتصاد هشّ وتضخم هو الأعلى في المنطقة. ولولا قروض البنك الدولي ومساعدات السعودية والصين، لن يصمدَ الاقتصاد الباكستاني أياماً. إذاً أول أسباب الحماس الباكستاني هو المنفعة المادية، عسى أن يحصل قتلى الجيش الباكستاني على تعويضاتٍ تصلُ ذويهم هناك.
عدوّ باكستان الرئيسي هو الهند، رغم أنّ باكستان لا تُقيم علاقات ديبلوماسية مع الكيان وتتظاهر بعدائه! لكن هذه أكاذيب لا تنطلي على العاقلين. تريدُ باكستان أن تحظى بقليل من التمويل ولو كان “كمّوناً” من السعودية، لكنها تعجز من المضي بعيداً إن وصلَ الاحتكاك إلى تل أبيب. حاولت باكستان لعبَ دور الوسيط “الشريف” في مفاوضات إيران والولايات المتحدة، فحصلت على بعض الفتات مع الكثير من الأضواء. الآن، تبخرت المفاوضات فخفتت الأضواء وانقطعَ الفتات، فلماذا لا يبحثون عن باب آخر؟
صدام باكستان مع إيران، إن حصل، سيكون مغامرة حمقاء لو فعلتها إسلام أباد، فالبلوشستان ينتظرون، وبدعم هندي إسرائيلي فوري، هكذا لحظة كي تُصبح باكستان في خبر كان،
لمن لا يعرف؛ مساحة بلوشستان تساوي 44% من مساحة باكستان، بتعداد 22 مليوناً، بينما هم 2,8 مليون “سنّي” في إيران لا يُشكّلون سوى 3.01 % من الإيرانيين. تُطالب هذه مناطق بالاستقلال حيثُ خاضت عدة حروب ضد إسلام أباد وطهران معاً، آخرها آب 2009 ثم ضد إيران 2014، وما يحتاجونه لعودة تلك الحروب سوى دعم خارجي بسيط، مع إشارة البدء من تل أبيب أو نيو دلهي، مع تغطية مالية من نائبة الكيان الخليجية.
ماذا تريد الولايات المتحدة من حلف مكة؟
يرى محلّلون أنّ من أسباب الأمر الأميركي للدول الثلاثة بتشكيل هذا الحلف، هو تنبيهٌ لتل أبيب بتجنّب إثارة القلاقل في الدول السنّية الكبيرة، التابعة لها في الشرق الأوسط. فمازالت واشنطن ولندن “الأم”، تريان في العالَم السنّي موطئاً لأقدامهما، ولا تريدانِ خسارته لصالح روسيا أو الصين.
تشكيل تحالف تركي باكستاني سعودي ضد إيران يمثل مصلحة أميركية صرفة، حتى لو كان ظاهرياً ضد الهند، لكنهُ لا يصبّ بمصلحة واشنطن من جهة أخرى، كيف؟ طريق الهند غزة والبديل لمبادرة الحزام والطريق الصيني، سيخنقه هكذا تحالف إن نفّذَ مبادئه الأساسية، ولن يفعلها، كما أنّ الهند عدوّ للصين يتوجبُ مداعبته بين الحين والآخر، وليس معاداته.
أيضاً هناك أسبابٌ أخرى للأمر الأميركي منها: قد ينجح حلف مكة حيث فشلت واشنطن في إعادة فتح المضائق، وعودة تصدير النفط مما ينعكس إيجاباً على أسعار البترول في الأسواق الأميركية، وبالتالي تتحسن فرص فوز الجمهوريين في انتخابات تشرين الثاني القادمة.
مما لا يعرفهُ دونالد ترامب أنّ الوضع الاقتصادي للسعودية، ما عاد كما كان وخزينتها بدأت تفرغ، بعد مئات الآلاف من المليارات التي بذّرتها هنا وهناك دون طائل، بدقة؛ تقتربُ السعودية من أسوأ وضع اقتصادي منذ تشكيلها على يد البريطانيين، وستصبحُ بنك الحلف “المُفلس” وسط خيبة أمل أنقرة وإسلام آباد، هذا البنك الذي تضعُ عليه باكستان وتركيا آمالهما في التخفيف من الأزمات الاقتصادية والغليان الشعبي لديهما. والذي جففتهُ نزوات حكامها وسطو ترامب وإيفانكا، لكن مازل في جعبة الرياض بعض المليارات، سيتم تبخيرها على طريقة مشروع نيوم
بالمناسبة؛ ما أخبار مشروع نيوم “العبقري” ونظرة 2030؟
ماذا تريدُ السعودية من حلف مكة؟
فشلت السعودية منذ سنوات، وبمساعدة مباشرة من عشرات الدول وعلى رأسها الإمارات وقطر وباكستان وماليزيا والكويت والبحرين والأردن ومصر نعم مصر والسودان والسنغال والمغرب، وفوقها جميعاً حلف الناتو بزعامة الولايات المتحدة، هذه الدول جميعها فشلت في فرض إرادتها على اليمن. لم ولن يتعلموا الدرسَ ولو أُعيدَ عشرات المرات. ماذا حصل بتحالف “عاصفة الحزم” يا ترى؟
لن نقول حلف بغداد. انهار الحلف “الإسلامي” وتفكك وتحاربت السعودية والإمارات، يومها لم تكن واشنطن مشغولة بالعدوان على إيران، وخزائنها من الصواريخ الدفاعية كاملة، وكذلك السعودية وباقي الدويلات، اليوم لا يمكن مقارنة الأوضاع العسكرية بعام 2015.
اليوم؛ الجيش الأميركي في أسوأ أيامه منذ عقود، ومعه الناتو الغارق مع روسيا في مستنقعات أوكرانيا. الجيش الأميركي يفرَُ من قواعده في الخليج مُهرولاً، خاصّة وأن وجوده بات عبئاً على الخزينة السعودية، وبفاعلية دفاعية لا تُذكر.
الإمارات عدوّ للسعودية بشكل رسمي. دعكم من أقاصيص منتصف الليل، فكما ذكرنا في مركز فيريل لمرتين وببحثين متباعدين؛ الحرب بين الرياض وأبي ظبي باتت علنية.
إيران أقوى عسكرياً وأكثر نفوذاً، سياسياً وحتى اقتصادياً وخلال الشهور القادمة. أذرعها تضرب بقوة من العراق واليمن ولبنان، وحتى من سوريا
اليمن أقوى وأخطر
اليمن أقوى وأخطر وتمتلكُ صواريخ فرط صوتية ومُسيّرات انقضاضية. يستطيعُ أهل اليمن العيشَ سنواتٍ بدون: كهرباء ومُكيّفات وسوبر ماركت وشيبس، وبدون مهرجانات الصيف ورقصات أواخر الليل، فهل يستطيعُ أعداؤهم فعل جزء من ذلك؟
بعد كل هذا، وجدت السعودية نفسها عاجزةً عن أيّ انتصار ورقي، وكي لا تبقى وحيدةً في الساحة فتُصيبها الصفعات تلو الصفعات، جاءت بعبدين ترمي لهما الفُتات ويتصدون للصفعات تلك بأجسادهما، فيصبحا “بودي غارد” عند الطلب، أو هكذا تظنّ. هكذا تظنّ أنها ببضعة “تهليلات وتطبيلات” تصبحُ سيّدة العالم الإسلامي وليس السنّي فقط!!
من الخاسر والرابح من حلف مكة؟
لا يوجد خاسر أو رابح دائم، لكن كبداية؛ تبدو تركيا وباكستان رابحتين مادياً فقط، بتناول بعض الفتات، لكن نؤكد أنه ربح مؤقت.
تبدو الصين وإيران وروسيا رابحة من هكذا حلف ولفترة أطول، خاصة إن اشتعلت المنطقة بحروب وفوضى تشغلُ واشنطن والناتو عنها جميعاً.
تبدو الولايات المتحدة رابحة لكن لفترة قصيرة، شرط أن تتمكن الدول الثلاث من فتح المضائق، بينما أعلنت تل أبيب أنها خاسرة مُدعيةً أنّ علاقتها بأنقرة عادت للتوتر، وهذا لا يُمكن تصديقه. كما أنّ قضية الدين الإبراهيمي والتطبيع السعودي الإسرائيلي العلني، مؤجل حالياً حتّى إشعار آخر.
من الخاسرين أيضاً؛ الهند واليونان والإمارات، ولعل ردّ نتنياهو ينوب عن هذه الدول: (لدى إسرائيل حليفٌ كبير هو الهند).
كما دعمت السعودية على مدى 14 عاماً الإرهابيين في سوريا، ستستمر بدعم تركيا في سوريا والعراق ولبنان، لهذا سنرى وحسب مركز فيريل عملياتٍ عسكرية في هذه الدول، في محاولة لقلب الطاولة لصالح “الأستانة”، ظنّاً أن الرياض ستأمن “الغولَ الوهابي”، لكن فلتبقَ عينكم على مصر
تقاسم المهمات في حلف مكة
كما ذكرنا، الخزينة سعودية، الآلة العسكرية بما فيها الطائرات المسيّرة وبعض التكنولوجيا الدفاعية، تركية، العامل البشري “الانتحاري” مع التغطية النووية الشكلية باكستانية، هذا ما نراهُ. لكن هل يمكن لهكذا حلف أن يصمد طويلاً ويكون فعّالاً؟ أي هل يمكن أن نرى الجيش الباكستاني أو التركي يُهاجم “فعلياً”، الجيش الإيراني؟ دون تمثيليات أو مسلسلات تركية؟ لن نتحدث هنا عن تل أبيب، فهذه الدول جميعها لا تستطيعُ تجاوز استنكار جرائم الكيان ضد المسلمين السنّة تحديداً، حتى لو أصبحَ الجيش الإسرائيلي في مكة غداً.
لن تسيرَ الأمور بهذه البساطة، فتل أبيب لن تقبلَ بكون هكذا حلف أكثر من حبر على ورق. وكذلك الهند والإمارات واليونان وغيرها. لعدة أسباب أهمها:
ماذا لو تصالحَ السنّة والشيعة؟
يبدو الأمر هنا خيالياً؟ لكن لو كنتُ مكان إيران لباركتُ حلفَ مكة ولو نظرياً، وطالبتُ الدخول فيه لقطع الطريق على الجميع، ولو كنتُ مكان الطرف الآخر لدعوتُ إيران إليه أولاً، عندها سنقولُ:
حلف غير طائفي، وستكون المعمعة أكبر وأكبر وسيحسبُ أعداء المنطقة ألف حساب لشعوبها قبل حكامها. هل يمكن أن نصحو على هكذا خيال؟
بعيداً عن الخيال ومعذرةً لهذا التصريح الخطير (مصالحة السنّة والشيعة)، حلفُ مكّة هشٌّ ولا نراهُ حتى اللحظة أكثر من صور تذكارية، وآخر المستفيدين منه هو السعودية وشعبها، المشكلة ليست بانهياره وعدم فاعليته، بل إن كان “فعالاً” في القضايا المعادية للشعوب، وفي حروب لا تُفيدُ سوى الكيان، الذي تأسس هذا الحلف لخدمته أصلاً. نكتفي بهذا القدر من بحث اختصرناه بهذه السطور الطويلة
إدارة التحرير في مركز فيريل للدراسات.10.08.2026 الدكتور جميل م. شاهين. الباحث زيد م. هاشم