
القبة الحرارية: بحث من مركز فيريل للدراسات حول صيف 2026 والقبة الحرارية التي سيطرت على أوروبا كاملةً، مُسبّبةً درجات حرارة قياسية وآلاف الضحايا. الدكتور جميل م. شاهين 11.07.2026
مع كلّ صيفٍ يمرّ، تتكسّرُ درجات الحرارة حول العالم في تأكيد راسخ على التغيير المناخي الذي حصل، والذي قلنا أنه لم يعد ردوداً، أي غير قابل للتصحيح لسببين رئيسيين؛ دورة المناخ الأرضية وهي ظاهرة طبيعية، والثاني النشاط البشري “المُساعد” على تسريع نهاية الإنسان وليس السبب الوحيد
صيف 2026 الأسوأ حتى الآن
رغم أنّنا مازلنا في نصفه الأول، لكننا صنّفنا في مركز فيريل صيفَ 2026 الأسوأ في تاريخ البشرية الحديث على الأقل، أي منذ بدء قياس درجات الحرارة قبل أكثر من 140 عاماً، أو حتى منذ أيام العبقري الإيطالي غاليليو غاليلي 1592. لم تكن درجات الحرارة لتتجاوز في الصيف الأوروبي منتصفَ الثلاثينات في الجنوب، فإذا بها اليوم تُسجّل هنا في ألمانيا وحسب DWD، وما أظهرتهُ مقاييس حرارة الشوارع 41,7 درجة مئوية، وأين؟ قربَ الحدود البولونية جنوب شرق برلين العاصمة في قرية Henzendorf، بينما سجلت برلين حسب “زعمهم” وهنا لا نثقُ بمقياسهم بدون رتوش، 39,9 درجة مئوية بنفس الوقت وكان 28.06.2026 الساعة 15:12، لأنّه ببساطة سجلت مقاييس الشوارع في برلين درجات حرارة تجاوزت 41 درجة. الموجة استمرت 8 أيام مُهدّدة بالعودة!
مأساةُ الأوروبيين الجديدة
ما حدث خلال موجة الحرّ الماضية مأساةٌ جديدة، تُضافُ لمآسي الأوروبيين المتتالية. لماذا؟
حَدثٌ مناخي طبيعي يُسمى “القبة الحرارية”، اجتاحَ مناطقَ شاسعة من أوروبا الغربية والوسطى، ورغمَ أنّه كما أسلفنا هو حَدثٌ طبيعي، لكنّهُ حطّّمَ أرقاماً قياسية في درجات الحرارة، مخلّفاً خسائر بشرية واقتصادية فادحة، هي الأعلى في تاريخها. لم يكن الحدث المناخي المتطرف هذا، مجرد موجة حرّ عابرة، بل أظهر تحولاً عميقاً في مناخ القارة، حيث أصبحت موجات الحرّ الشديدة أكثر تواتراً وطولاً ودماراً.
ظاهرة القبة الحرارية: طنجرةُ ضغطٍ حرارية
القبة الحرارية Heat Dome في شرح مُبسّط: ظاهرة مناخية طبيعية، تنشأُ في منطقة ضغطٍ جوّيّ مُرتفع مُسيطر على مساحة واسعة، يحبسُ الهواء الساخن “الحارّ” أسفلهُ، مانعاً أيّ تسرّب لهواء أقل حرارة إلى المنطقة، بحيث تبقى درجاتُ الحرارة مرتفعة إلى أن يتحرّك هذا المرتفع، والعملية تحتاج أياماً وربما أسابيع، بحيثُ يكون هذا الضغط المرتفع غطاءَ “طنجرة بُخار” يضغطُ الهواء الحارّ أسفلهُ. أطلقَ عُلماء المناخ اسمَ Omega Block، وهذا اسم مُرعب من شكل أوميغا Ω، حيث يُسيطرُ منخفضان جوّيان يحصران بينهما مرتفعاً جوياً عملاقاً، فيتراكم الهواء الساخن المضغوط، قريباً من سطح الأرض لأيام طويلة.
تكرار القبة الحرارية هو الخطر
لم تكن حالة القبة الحرارية الأخيرة على أوروبا نادرة، رغم تمنياتنا أن تكونَ الأخيرة. لكن تبقى التمنيات بعيدةً عن الواقع في أغلب الأحيان. في حزيران 2021، سيطرتْ القبة الحرارية على أميركا الشمالية عام 2021، فسُجّلت درجاتُ حرارة قياسية لثلاثة أيام متتالية. وصلت إلى 47,2 درجة مئوية في عاصمة أوريغون Salem، غرب الولايات المتحدة، و45,7 درجة في كندا بتاريخ 28.06.2021، لتنكسر هذه الأرقام خلال 24 ساعة فقط ويعود تسجيل 49,6 درجة مئوية غربي كندا في مدينة Camchin، حاصدةً أرواحَ 223 شخصاً بليلة 30.06.2021 فقط. لكن تبقى النتائج الكارثية لتلك الموجة متواضعة أمام ما حصل في أوروبا!
نعم؛ متواضعة أمام خسائر أوروبا هذا الصيف الذي مازال في منتصفهِ! إلى تفاصيل أوسع

أضرار كارثية في أوروبا 2026
لن نذهبَ بعيداً بتقييم الآثار الاقتصادية، سنكتفي بالبشرية وحسب معهد Robert Koch الألماني؛ سُجّلت 800 وفاة في ألمانيا مرتبطة بموجات الحرارة العالية خلال 2026، حتى الآن ونحن نقتربُ من منتصف تموز، فبتاريخ 21.06.2026 فقط؛ تُوفي 698 مُسنّاً، كذلك توفي 41 شاباً وشابة. ليتجاوز مجموع الوفيات في يوم واحد 800 وفاة! وبدقة 811 وفاة. تخيلتم الأرقام. لم ننتهِ بعد انتظروا، فالأرقام تلكَ لجسّ النبض
لم يكنْ وضعُ فرنسا أفضل بل أسوأ من ألمانيا، ففي باريس لوحدها، سُجّلت 109 وفاة في يوم واحد. وحسب وزارة الصحة الفرنسية؛ ارتفعت نسبة الوفيات بسبب موجات الحرارة موجة الحر 29,1% عن السنوات السابقة، مُسجّلةً 2035 وفاة قبل 5 أيام، عِلماً أنّ حالات كثيرة لم تُسجّل بعد. وهذه كلها أرقام قابلة للزيادة وغير دقيقة باعتراف وزارة الصحة نفسها.
آلاف الوفيات في أوروبا
ليست حرباً أو قصفاً نووياً أو اصطدام كويكب، هي كارثة بشرية نتجت عن موجة حارّة لتسعة أيام، لم ولن تُعلنها الحكومات الأوروبية بصدق. حسب إعلامهم الرسمي، أي الأعداد غير صحيحة وقابلة للزيادة؛ أعلنت فرنسا وبلجيكا والدانمارك وفاة 3700 شخص الأسبوع الماضي. بحساب بسيط نرى في مركز فيريل أنّ الرقم الحقيقي في أوروبا يتجاوز 10 آلاف وفاة، نعم 10 آلاف ومن خلال خبرتنا وفوقها معلوماتنا. ففي بريطانيا لوحدها هناك 1300 وفاة أخرى، ماذا عن باقي الدول؟ باختصار عدد الوفيات أضعاف ما سقط من مدنيين في حرب أوكرانيا للسنة الخامسة.
وفيات الشباب هي الأخطر
أحصينا عشرات الوفيات في صفوف الشباب هنا في ألمانيا بسبب السباحة الخاطئة! كيف؟
هناك ما يُسمى طبيّاً الصدمة الحرارية Thermal Shock، وتحدثُ عندما يتعرّضُ جسم الإنسان الحارّ بسبب الطقس، لماءٍ بارد مُسبباً انقباضاً مُفاجئاً في الأوعية الدموية، وشهيقاً عميقاً مع تسارع ضربات القلب، فيرتفعُ ضغطُ الدم فوراً وتحدثُ سكتة قلبية أو صدمة عصبية قاتلة، أو يبتلعُ الشخص كمياتٍ كبيرة من المياه نتيجة الشهيق العميق. شاهدنا عدة وفيات في نهر Elbe قرب هامبورغ. شبانٌ في العشرينات، يتقنون السباحة بشكل جيّد، قفزوا فجأةً من فوق جسر في مياه النهر، السبب الأول “حماس الشباب” المُفرط. الفارق الحراري بين أجسامهم ومياه النهر أكثر من 25 درجة، فحدثت صدمة حرارية وتوفي 3 شبان دفعة واحدة.
رسميّاً وحسب DLRG الألمانية؛ Deutsche Lebens-Rettungs-Gesellschaft، حدثت في ألمانيا 33 وفاة بسبب الغرق نتيجة الصدمة الحرارية، خلال 3 أيام حتى تاريخ 28.06.2026. أي القضية لم تقتصر فقط على طيش شباب والبطولات الخارقة، بل جرحى في أحسن الأحوال، القضية تجاوزتها إلى عشرات الوفيات! هذا بالإضافة لوفيات السباحة الأخرى بسبب سوء اختيار المنطقة، أو جرف التيارات المائية لقليلي الخبرة مثلاً.
استمرت موجة الحرّ الأولى 9 أيّام، لتكون الأسوأ بتاريخ أوروبا المُسجّل من كافة النواحي؛ خسائر بشرية ومادية كبيرة، تجاوزت ما سقط من ضحايا مدنيين في حرب الأعوام الخمسة في أوكرانيا كما ذكرنا منذ قليل. أمّا الأضرار المادية فبدأت بالبنية التحتية، حيث شاهدنا وعانينا من إغلاق الخط السريع A2، غربي برلين بسبب الحرارة العالية “هكذا قالوا”، كما تضاعفت مشاكل شركات التأمين الصحي ومعها المؤسسات الصحية.
صيف 2026، الأسوأ مناخياً، والمزيد في الطريق

كل صيف يرتفعُ فيه متوسط الحرارة عن 20 درجة، يؤدي لوفيات أعلى من أيّ شتاء قاسٍ! ما سُجّلَ في ألمانيا كان مفاجأةً؛ المعدل الوسطي الحالي هو 21.1 درجة مئوية، أي أعلى من الحد الأقصى بأكثر من درجة مئوية. السجلات السابقة وحسب فيريل كانت تُشيرُ إلى صيف 1911 الأسوأ مناخياً، لكن صيف 2026 ونحن لم ننتهِ بعد من شهره الأول، يشهدُ درجاتٍ أعنف وأعلى. لم يقتصر الأمر على أوروبا، فإذا توسعنا قليلاً نرى أنّ مُدناً كثيرة في أميركا الشمالية كسرت الأرقام القياسية. السبت وتزامناً مع مباريات كأس العالم “سيء السمعة” في الولايات المتحدة، وقُبيلَ الاحتفال بعيد الاستقلال 04.07.2026، سجّلت أتلانتك سيتي الساحلية 41.1 درجة مئوية، الرقم السابق عمره 57 عاماً. سجلت واشنطن 39 درجة والرقم السابق 38 وعمرهُ 107 أعوام، أي منذ 1919. الأقدم كان تحطيم رقم ولاية فيرجينيا المُسجّل منذ عام 1879، وكان 36,9 درجة برقم جديد هو 38.2 درجة مئوية. بعد هذه الموجات الحارة جاءت العواصف الرعدية “المحلية” الشديدة، ثم إنخفاضٌ كبير في درجات الحرارة فعدنا إلى التطرف المناخي، وهو من الأخطار الجسيمة المهملة التي تواجه البشرية. الأمر ينطبقُ على سيبيريا نفسها في الشرق الروسي، والصور توضح تسجيل 36 درجة ضمن الدائرة القطبية الشمالية، في مدنٍ روسية تُسجّلُ شتاءً 60 درجة تحت الصفر بفارق 100 درجة مئوية! فهل هناك تطرفٌ أكثر؟ مركز فيريل للدراسات 10.07.2026 الدكتور جميل م. شاهين مدير المركز. نكتفي بهذا القدر على أن نعود للموضوع بعد فترة قصيرة.