
أمراض دجاج تركيا الجزء الأول
بحث من مركز فيريل للدراسات. 09.09.2026. Firil Center For Studies. Berlin. Dr. Jameel M. Shaheen FCFS
تربية الدواجن؛ قطاعٌ هام قديم في حياة البشر. بالنسبة لتعبير (قديم) هنا، فلا يتجاوز 6000 عاماً قبل الميلاد وفي الصين تحديداً، دجّنَ هواة “مصارعة الديوك” عدة طيور، لاستخدامها في هذه الرياضة لجني الأرباح من المراهنات، وليس بهدف إطعام الفقراء. البداية مع البشر كانت عندما اقتربت طيور الأدغال الحمراء Junglefowl، من الحقول الزراعية وراحت تأكل الحبوب المزروعة حديثاً، بعد تكرّر الحادثة ونقص المحصول الزراعي، راقب المزارعون الصينيّون محاصيلهم، قتلوا المئات وفرّ عدد أكبر، لكنّهم ألقوا القبض على بعضها أحياء وكانت كلّها ذكور، وأخذوها للمصارعة كما ذكرنا.
أما فكرة تربية الدواجن للغذاء، فقد تأخرت كثيراً، وبدأت تلكَ الفكرة بتناول البيض ثم تجربة اللحوم بحذر، وبسبب رخص ثمنه؛ أصبح لحم الدجاج غذاء الفقراء آنذاك. هنا انتشرت تربية الدواجن بكثرة، وأصبحت جائحةً. إلى التفاصيل.
حقن الدجاج بالهرمونات
أليس غريباً أنّ فكرة “المداجن التجارية” والتسمين عمرها لا يتجاوز 150 عاماً، بينما التربية المنزلية الخاصّة تتجاوز 8000 عام! رغم ذلك؛ اقتصر التفكير البشري التجاري على طرق “تسمين” الدجاج لجني الأرباح. البدايات كانت 1890، بذريعة غلاء لحوم الحيوانات كالأبقار والأغنام، و “رقة قلوب” أصحاب الشركات وتفضيلهم لمصلحة “المساكين الفقراء”، لهذا بدأت عام 1942 وأثناء الحرب العالمية الثانية، طريقة حقن الدجاج بهومونات الأستروجين من نوع Diethylstilbestrol/DES ، الغريب أكثر أنّ هذا الهرمون المُكتشف في الولايات المتحدة الأميركية، حُقِنت به النساء الحوامل لسنوات، على أساس أنّه إستروجين قوي مصنّع لمنع الإجهاض والوقاية من مضاعفات الحمل.
اكتشفَ العلماءُ عامَ 1971، أنّ هذا الأستروجين لا يقتصرُ على كونِه غيرَ فعّالٍ، بل إنه ضارٌّ جداً ويسبب مشاكلَ صحية وخلقية للجنين، ومسؤول عن انتشار سرطانات “الكارسينوما الغدية” في عنق الرحم والمهبل لدى النساء، بينما أُطلقَ اسم جيل DES على أبناء وبنات ذاك الجيل. FCFS
صدر قرار منع استخدامه البشري، وقبلهُ للدواجن من قِبَل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، بعد عام 1971 أي بقيَ استخدامه 29 عاماً هذا في الولايات المتحدة بينما بقيَ الأوروبيون يستخدمونه حتى 1982! المفاجأة التي وصلنا إليها في مركز فيريل أنّ دولاً كثيرة مازالت تستخدمه حتى يومنا هذا، ونحن في النصف الثاني من 2026.FCFS. ألم تُلاحظوا ارتفاع نسبة إصابة النساء بسرطان عنق الرحم؟ هذا ليس كلّ شيء، ماذا عن انتشار الاحتشاءات القلبية في سوريا؟ التفاصيل تأتيكم تِباعاً.
بعد عام 1971 ومنعه في الولايات المتحدة بلد المنشأ، استبدلَ “الشرهون” الطريقة تلكَ بأخرى مستمرة حتى يومنا هذا؛ الحقن بالأنسولين وبطريقة آلية. والأسوأ المضادات الحيوية وسنتحدث عنها لاحقاً.
لهذا نرى أن دجاجة بعمر 3 إلى 4 أسابيع على الأكثر، تصبح جاهزة للذبح، كيف هذا؟! أو نرى الدجاجة المذبوحة تقطرُ ماءً، بسبب حقنها بمواد ما، الأقلّ غشّاً فيها هو الماء لزيادة الوزن. نُكرّرُ هنا؛ هذا أقلُّ أنواع الغش ضرراً، لكنه غش بجميع الأحوال.
باختصار؛ لا يوجد ما يضمن أنّ الدجاج الذي يتناوله البشر لايتناولُ أعلافاً، أو غير محقون بمواد ضارّة صحيّاً، حتى لو كان عليه ختمُ وزارات صحة 206 دولة، وأوربية منها أيضاً والمضادات الحيوية والأنسولين يشهدان اليوم.
تربية الدواجن في سوريا وتركيا
بدأت عملية تربية الدواجن عند الخاصّة قبل العامة، وفي المنازل الريفية كغيرها من الدول. ثم انتشرت في سبعينيّات القرن الماضي فكرةُ التربية التجارية، لتُصبحَ من القطاعات الأساسية في الإنتاج الحيواني، حيثُ توفر للأتراك الفقراء، لحوماً وبيضاً وبروتيناً حيوانيّاً.
مع ازدياد الأمل بدخول تركيا الاتحاد الأوروبي، وتسويق المنتجات الزراعية ومنها “اللحوم” بأنواعها، بدأت حُمّى تربية الدواجن في تركيا والشرق الأوسط، بما في ذلك سوريا. تذكرون مشاريع “هنكارات” الدجاج، في ثمانينيّات القرن الماضي في سوريا؟
المأساة بدأت هنا؛ فالمشاريع التي كلّفت التجار ثرواتٍ كبيرة جنوا منها أرباحاً طائلة في البداية. وخلال 3 سنوات فقط، انقلبت الآية، فأصبجَ تسويق الدجاج والبيض مشكلة بحد ذاتها، والأسوأ: انتشار الأمراض المعدية ونفوق معظم الدواجن. ورغم أنّ الأمراض عمرها 120 عاماً آنذاك، إلا أنّ جائحة عام 1997، كانت قاصمة عندما تحوّر فيروس إنفلونزا الطيور (H5N1)، مُسبّباً كوارث حقيقية للبشر قبل الطير.
لهذا ومع بدء مصاعب الانضمام للاتحاد الأوروبي، وانتشار الأوبئة في مزارع الدواجن في تركيا، المزارع التجارية الكبيرة أو المنزلية والريفية الصغيرة، بدأ تراجع الاهتمام بهذا القطاع. إلى أن انتعشت الآمال مجدداً بأسواق لتصريف المنتوجات التركية، لكن أين؟
ليس في أوروبا طبعاً بل في دول جنوب تركيا. وكما شرحنا لكم عن هذا الأمر في مركز فيريل للدراسات، مع بداية 2025، وقبلها أيام انتشار الفروج المُجمّد في حماة قبل تسليم بشار الأسد الكرسي للجولاني، ينتشر اليوم تسويق المنتجات التركية بتوسع و”خطر” أكبر، ليشملَ كافة المدن والمناطق في سوريا والشرق الأوسط. وصولاً إلى السعودية، فهل الرقابة الصحية كافية؟
أمراض الدواجن في تركيا
نُبيّن هنا الحقائق عِلمياً وبالمصادر لعشاقها، من خلال البحث ومنها من قلب تركيا نفسها. تُشابه الأمراض التي تُصيب الدواجن في تركيا غيرها من الدول، لكن لماذا تركيا تحديداً؟ تتلخّصُ إجابة مركز فيريل بأمرين هامين:
أولاً؛ تركيا معبر رئيسي للطيور المهاجرة بموسمين سنوياً، أي أن إمكانية انتشار الأمراض فيها أعلى من باقي الدول.
ثانيا؛ لا توجد رقابة صحية تركية “شفافة” على المنتوجات الغذائية خاصة، تُماثل باقي الدول المتطورة. وتلعبُ الرشاوى والمحسوبيات والأهداف التجارية البحتة، دوراً أساسياً في الحياة اليومية والتجارية هناك، في حين تحتل صحة المواطن مراتبَ متأخرة في سلم الأولويات. لهذا تخضعُ “كافة المنتوجات التركية” لرقابة “دوبل” في الأسواق العالمية، أي في الدول التي يكون الإعلام فيها قوياً، أما صحة المواطن فهي آخر ما يهم الحكومات، ولا نستثني هنا حكومة في الأرض.
إذاً، تنتشرُ أمراض الدواجن في تركيا بكثرة لسببين؛ الأول: فساد الرقابة الصحية. والثاني: الموقع الجغرافي وكثافة النشاط الزراعي والحيواني فيها، وبالتالي وجود الطيور البرية المهاجرة وحركتها بين مناطق مختلفة يؤدي لسهولة انتشار Epidemiologie الأمراض. أحصينا في مركز فيريل ستة أمراض رئيسية تنتشرُ في تركيا، وهو رقم أعلى من باقي الدول، على رأسها إنفلونزا الطيور. نيوكاسل، غامبورو، السالمونيلا، الميكوبلازما، والكوكسيديا. نتحدث سريعاً عن كل مرض دون توسّع. مع التنويه إلى أنّ: (إمكانية انتقال هذه الأمراض للإنسان، واردة وبقوة).
تبدأُ خطورة أمراض الدواجن، بانخفاض معدلات النمو وإنتاج البيض واللحوم، ثم تتطور لنفوق أعداد كبيرة، وخساراتٍ مالية لايمكن تعويضها، إلى أن تنتقلَ العدوى للبشر، فتكون الكارثة، مثل السالمونيلا.
أمراض الدواجن الفيروسية
من صفات الأمراض الفيروسية على كافة المستويات، هو الانتشار السريع سواء بين البشر أو بين الحيوان، والدواجن مثالنا هنا. لتبقى الوقاية أفضل طريقة للعلاج كونَ علاج العدوى الفيروسية محدود وغير موجود بشكل فعّال، إلا في بعض حالات مُكررة يتم فيها تطبيق برامج التحصين والإجراءات الوقائية، ويتواجد على شكل لقاحات “سائلة”.
تجارياً؛ تشير منظمة الأغذية والزراعة الأممية إلى أن الأمراض الفيروسية من أهم الأمراض المعدية في الدواجن، وأن العديد منها يمكن الوقاية منه بواسطة اللقاحات المناسبة
أولاً: إنفلونزا الطيور
أولُ انتشار مُسجّل تاريخياً لهذا المرض كان عام 1878، ليس في تركيا، بل شمال إيطاليا. سُمّيَ آنذاك طاعون الدجاج (Fowl Plague)، اسمه اليوم إنفلونزا الطيور الخطير.
الجائحة الأكبر كانت عام 1997 بسبب تحور فيروس (H5N1) إنفلونزا الطيور، هذا التحوّر موجود حتى يومنا هذا، لهذا يبقى الخطر قائماً وبقوة.
كانت ومازالت إنفلونزا الطيور من أخطر الأمراض الفيروسية التي تهدد قطاع الدواجن. وتحتلُّ تركيا مكان الصدارة بإصابة الدواجن بهذا الفيروس، وكما أسلفنا، بسبب حركة الطيور البرية المهاجرة بين مناطق مختلفة من أوروبا وآسيا وأفريقيا.
يمكن أن تنتقلَ العدوى للبشر، وتكون النتائج خطيرة تهدد الحياة. يحدثُ الانتقال عن طريق الاحتكاك المباشر مع الطيور المصابة، والأعراض تشبه الإصابة بالإنفلونزا العادية. أمّا لدى الطيور فتكون أشد وأخطر، ونسبة النفوق تصل إلى 100%. تبدأ بأعراض تنفسية ثم خمول وضعف حركة ونفوق خلال ساعات أحياناً.
حَظرت عدة دول الاستيراد من تركيا بسبب إنفلونزا الطيور، منها كمثال فقط؛ السعودية ومنذ 11.06.2015، حظرت الهيئة العامة للغذاء والدواء في السعودية، استيراد لحوم الدواجن وبيض المائدة ومنتجاتهما وتجهيزاتهما من تركيا، حتى إشعار آخر، بسبب انتشار مرض إنفلونزا الطيور عالي الضراوة فيها. تفاصيل أخرى حول الدول التي حظرت استيراد الدواجن من تركيا في سياق البحث.

ثانياً: مرض نيوكاسل Newcastle Disease

مرض نيوكاسل، مرضٌ فيروسي يسببه فيروس Avian Paramyxovirus النوع الأول. حسبَ المنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH) : نيوكاسل؛ مرض شديد العدوى يصيب الطيور الداجنة، فتظهر الإصابة بأشكال تنفسية أو هضمية أو عصبية بحسب شدة السلالة.
أفضل طرق السيطرة على انتشار المرض التحصين باللقاح، والعزل، وتنظيم حركة الطيور، وتحسين إجراءات الأمن الحيوي.
لا تُغادورا، فلنا وقفة هامة جداً هنا؛ نسبة النفوق بسبب الإصابة بنيوكاسل بين الدواجن تصل إلى 100%، المشكلة ليست هنا، بل في أنّ مرض نيوكاسل الخطير هو “مرض مستوطن” في تركيا، كيف ولماذا؟
أول حالة مسجلة كانت 2007، ومن يومها والمرض يفتكُ سنوياً بالدواجن في تركيا، ننقلُ لكم آخر جائحتين قضت على مواسم كاملة في صناعة الدواجن في تركيا:
أولاً: جائحة بدأت 2017 واستمرت عامين، نعم لمدة سنتين والمرض يفتك بالدواجن، و “الفرّوج المُجمّد” يُباع في الأسواق السورية بأسعار رخيصة!! عدد البؤر حسب الإعلام التركي الرسمي 220 بؤرة. عدد المحافظات التركية المُصابة 47 محافظة.
ثانياً: جائحة 31.12.2023 وهي الأقرب زمنياً؛ بدأت في مزارع Bockas ثم غزت مناطقَ تركية أخرى وانتقلت لدول مجاورة. اعتبرت المنطقة بقطر 10 كم خطيرة لتفشي الفيروس القاتل، لهذا أُعدمت كافة الطيور في كل بؤرة يظهر فيها المرض، وبمساحات شاسعة.
السؤال غير البريء:
أين تذهب ملايين الطيور التي أُعدمت يا تُرى؟

يُمكن أن ينتقلَ نيوكاسل للإنسان عن طريق تناول بيض الدجاج المصاب، نتائجه المرضية ليست قاتلة. أما عند الدجاج فهو قاتل كما ذكرنا بنسبة تتجاوز 90% وتكون الأعراض؛ تنفسية مع فقدان توازن الطائر. التواء رقبته وميلها لجهة معينة، تليها شلل تام عن الحركة ونفوق.
ثالثاً: مرض بورسال Bursal Disease IBD
يُسمى أيضاً مرض جومبورو: مرض فيروسي إنتاني مناعي، يُسبب التهاب الجُراب المناعي المسؤول عن تكوين المناعة والمُسمّىBursa ، ومن هنا أخذ اسمه. مكمن خطورته بأنه يتركُ الطيور دون أية استجابة مناعية، فتُصاب بأي مرض آخر بسهولة، لهذا سُمّيَ أيضاً “إيدز الطيور” لأنه يُصيب الجهاز المناعي!.
بصورة معكوسة؛ سببت خطورته ومعرفة العامل المُمرض سهولة الوقاية منه، بتطعيم الطيور مُسبقاً وتحصينها.
تبدأُ الأعراض لدى الطيور، بالخمول مع ضعف الشهية وإسهال أبيض مصفّر. ثم تأتي مرحلةُ فقدان التوازن والموت. نسبة النفوق كغيرها تصل إلى 100% في الطيور غير المُحصّنة، مع التنويه إلى أنه يُصيب بشكل خاص الطيور في مراحلها العمرية الأولى، دون 6 أسابيع. الانتقال للبشر نادر جداً لعدم وجود الفيروس المشترك Non-zoonotic. إلى هنا الجزء الأول من بحث أمراض دجاج تركيا. الجزء الأول
بحث من مركز فيريل للدراسات. 09.09.2026. Firil Center For Studies. Berlin. Dr. Jameel M. Shaheen FCFS نلقاكم في الجزء الثاني.