الرابح الأكبر من الحرب ضدّ إيران
مركز فيريل للدراسات. الدكتور جميل م. شاهين 19.07.2026

تضرّرت عشراتُ الدول من الحرب ضد إيران، بزعامة الولايات المتحدة الأميركية ومعها توابعها من الكيان إلى محميات الخليج وتركيا وغيرها من الدويلات، بينما اقتصرتْ قائمةُ الدول المُستفيدة من تلك الحرب على عدد أقل.
بخلاف التوقعات؛ تبدأُ قائمةُ المستفيدين من #العدوان_الأميركي_الإسرائيلي_العربي ضد إيران، بإيران نفسها والصين وروسيا أيضاً. لكن تبقى بكين الرابح الأكبر حتى اللحظة، حيث بدأت تجني ثمار الاستنزاف الأميركي منذ التوقيع على “الهدنة الهشّة” في باكستان وبرعايتها.
نناقشُ هنا مكاسب الصين حتى اللحظة وقُبيل صافرة حكم مباراة نهائي كأس 2026 بين فلسطين والكيان، أقصد بين إسبانيا والأرجنتين، عِلماً أنّ الحربَ لم تنتهِ بعد ولا يمكن أن تنتهي دون منتصر نهائي يتربّعُ على عرش المنطقة وربما العالم، ومهزوم يرفع الراية البيضاء.
مكاسب الصين اقتصادية وسياسية
الجزءُ الأكبر من مصادر مركز فيريل لهذا البحث؛ غربية أميركية تحديداً؛ منها Associated Press. The Washington Post. Reuters وغيرها ستردُ تباعاً، أجمعت المصادر السابقة بالمُجمل على:
تضاعفت مكاسبُ الصين من تداعيات الحرب الأميركية ضد إيران، منذ 28 شباط 2026. بدأت المكاسبُ تلكَ بارتفاعٍ غير مسبوق لسوق بيع منتجات الطاقة النظيفة، الذي تُسيطرُ عليه شركات الصين دون منافس، وسط انهيار هذه الصناعات في أوروبا تحديداً، خاصة صناعة السيارات الكهربائية “الفاشلة” أوروبياً مقارنة بالصين.
استفادت الصينُ أيضاً سياسياً واجتماعياً؛ كدولة “تعشق السلام” بمساهمتها بتوقيع مذكرة تفاهم، لتنتهي فكرةُ “شيطنة” الصين التي عمِلَ الغرب لسنوات بجهود إجتماعية واقتصادية جبارة، مُقدّماً الصين كمضطهدة للحريات والطفولة، راعية للحروب وداعمة لمحور الشر.
حرب إيران كشفت الضعف الأميركي
قالت هذا الكلام بطريقة مُنمقة شبكة CNN الأميركية:
(كشفت حرب إيران حدود القوة الأميركية).
فالنفوذ الصيني تضاعف على كافة الأصعدة، ديبلوماسياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً أيضاً. أولها كان تقديم بكين لنفسها كداعية للسلام بين الشعوب، وتغلّبت الصينُ أيضاً على أزمة الطاقة التاريخية بسهولة أكبر من الولايات المتحدة صاحبة أقوى اقتصاد عالمي! والسبب الرئيسي هو احتياطيات الصين النفطية الاستراتيجية التي تجاوزت الأميركية بمئات الملايين من البراميل.
بالأرقام؛ حجم المخزون النفطي الاستراتيجي للصين 1,4 ترليون برميل من النفط الخام، ويكفيها 84 يوماً، المخزون المؤكد هو 1,2 ترليون برميل. بينما الحد الأقصى للمخزون الأميركي هو 700 مليون برميل والمؤكد 635 مليون برميل ويكفيها 34 يوماً فقط. أي أنّ مخزون الصين ضعف مخزون الولايات المتحدة.
خلال الحرب الأخيرة، لم تستخدم الصين برميلاً واحداً من مخزونها الاستراتيجي، فالبترول الإيراني “العائم” مع البترول الروسي وغيره، كان كافياً لتشغيل معاملها بطاقتها القصوى. بينما سحبت واشنطن من الاحتياطي أثناء العدوان على إيران، نعم، فبتاريخ 10.04.2026 أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية سحبَ 8.48 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي لأربع شركات نفطية، للمرة الثانية، أي كان هناك أولى لم تُذكر، الشركات هي على التوالي: Gunvor USA, Phillips 66 Company, Trafigura Trading, and Macquarie Commodities Trading، والسبب هو خطة ترامب لخفض أسعار الوقود!
اليوم وصلَ المخزون الأميركي إلى الخط الأحمر، أي اقتربَ من 250 مليون برميل، بينما مازال المخزون الصيني مُستقراً عند حده الأقصى! لهذا لا تستطيع الولايات المتحدة شنّ حرب طويلة تترافق بإغلاق هرمز، أو إغلاق باب المندب، فكيف إن أُغلقا معاً؟
قوة الردع الأميركية انتهت
https://www.facebook.com/reel/27957330857193635?locale=de_DE
أدركت الصين أن قوة الردع الأميركية انتهت للأبد، وأولها في شرقي آسيا، لهذا راحت تسرحُ وتمرحُ ضد تايوان في استعراض قوة غير مسبوق، وتهديدات بإجراءات “إغلاقٍ صحي” على الجزيرة الساعية للاستقلال الغبي، المدعوم من واشنطن التي تخلّتْ عن أتباعها جميعهم للبقاء على قيد الحياة. تأكدت الصين أيضاً أنّ واشنطن عاجزة عن الدفاع عن تايوان فيما لو قررت غزوها، وإعادتها إلى الدولة الأم. فمخزونات الذخائر الأميركية باتت بشكل عام عند النصف، لهذا ماذا تُفيد حاملة طائرات لا تستطيعُ الدفاع عن نفسها سوى أسبوعين؟ هذا إن دافعت
تسعى الصين لاستعادة تايوان مجاناً
تماشيّاً مع القانون الدولي؛ يحقُّ للصين باستخدام خفر السواحل الصيني فقط، فرضَ “حجر صحي بحري” حول تايوان، كونها مازالت دولياً جزءاً منها، يسمحُ هذا الحجر بتفتيش أية سفينة أو حتى طائرة تقتربُ من الجزيرة، دون الحاجة لشن حربٍ وحصار بحري عسكري حربي، يجلبُ بعضَ المتاعب إليها من الدول القريبة كالفيلبين واليابان. أيتستطيعُ الصين الآن منعَ دخول أو خروج أيّ شخص أو بضاعة دون إذنها، وبالتالي استعادة تايوان دون طلقة واحدة أو خسارة جندي صيني، وهذا ما تعمل عليه منذ سنوات، بحيث لا تتأثر تجارتها واقتصادها.
ضمن هذا السياق، رفعت سلطاتُ تايوان وبصورة رسمية إجراءات الحجر الصحي الإلزامي على الزوار القادمين خاصة من إفريقيا، أي باتت الذريعة الصينية جاهزة، ويكفي الحديث عن انتشار فيروس ما يأتي من المجهول، كي تجعل تايوان ضمن المنطقة الرمادية.
أفشلت الصين توقعات أكبر الاقتصاديين
تستورد الصين 39,4% من نفطها و31% من الغاز من دول الخليج، مع بدء الحرب توقّعَ كبار الاقتصاديين أزمةً كبيرةً تضربُ الاقتصاد الصيني، أو هكذا كان القصد الأميركي. أُغلقَ مضيق هرمز وتوقفت شحنات البترول والغاز، لكن العكس حدثَ! حسب Newsweek:
(امتصت الصين الصدمة بسرعة مُفاجئة، فخفّضت إنتاج مصافي تكرار البترول لديها ومنعت تصديره بصورة كبيرة، مع استثناء تصدير وقود الطائرات لدول شرقي آسيا فقط، لضمان التجارة والتنقل البينية. كما زادت من استيراد الطاقة الروسية مع تفريغ عشرات حاملات البترول الإيراني التي تسبح في أعالي المحيطات. وبالتالي لم يتأثر مخزونها الاستراتيجي نهائياً. بالمُقابل؛ اضطرت دول كثيرة أولها الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية لسحب احتياطاتها الاستراتيجية، أي استخدمت الصين ديبلوماسية الطاقة Energy Diplomica بذكاء).
عالم متعدد الأقطاب
مع تراجع الولايات المتحدة، وليس انهيارها، وتحولها لدولة كبيرة وليس قطب أوحد كما كانت في التسعينات، راحت الصين تُقدّمُ نفسها كراعٍ أول لعالم متعدد الأقطاب، مع إشارتنا هنا في مركز فيريل إلى أنّ:
أكبر خطأ قد ترتكبهُ الصين هو أن تُحاول أن تجلسَ على كرسيّ الولايات المتحدة.
الكلام واضحٌ. لهذا نرى أنّه على الصين مساندة روسيا وإيران أكثر والتخلي قليلاً عن المصالح، بدقة أكبر التخلي عن فكرة “دكانة العالم“، فقليل من “الروحانية المدروسة” لا يضرّ الصين بل يُفيدها طالما تسعى للظهور بمظهر “الإنسانية” كما تفعلُ الدول الأخرى، وجميعهم دون استثناء “كاذبة”.
صحيحٌ أنّ طريقة الصين “العمل في الخفاء” مع الحذر ثم الحذر، لكنّ الوضع اليوم تغيّر تماماً، ولا ضير في تصدرها المشهد ولو إعلامياً، القصد
يكفي العمل في الخفاء يا بكين
ما يجري حالياً وحسب التوقعات في الخليج، يستدعي ظهور الصين كلاعبٍ أساسي، فالقضاء على إيران، على فرَض أنه قد يحصل، سيؤذي بكين كثيراً، مع التركيز على جانب آخر مُغاير هو
“خوف الصين من التمرّد الإيراني“
في حال انتصرت إيران نهائياً. لهذا نرى في مركز فيريل أنّ موسكو وبكين تحسبان حساب ذلك. على النقيض أيضاً؛ أليست باكستان تابعة بشكل كبير للصين؟ امتلكت سلاحاً نووياً وبدعم صيني، انتصرت “مؤقتاً” على الهند في المعارك الأخيرة أيار 2025، عقِبَ هجوم بالغام الإرهابي في كشمير الهندية، والنصرُ الباكستاني كان بسلاحٍ صيني “تجريبي”. التمرّد الإيراني وارد وبقوة، وبصورة أدق؛ الإيرانيّون أكثرُ استقلالاً من الباكستانيين، وهذا مصدرُ قلق للصينيين وقبلهم الروس.
ربما لا يدري بعض متابعي مركز فيريل أنّ: الاتحاد السوفيتي حاربَ إيران أيام الشاه ووقف بجانب أذربيجان، وقبل ذلك بتاريخ 25.08.1941، غزت بريطانيا والاتحاد السوفيتي إيران، نعم اتفقت لندن مع موسكو ضد طهران! وبعدها وقف الاتحاد السوفيتي بجانب العراق في حرب السنوات الثمان 22.09.1980.
إنها مصالح سياسية واقتصادية، والغاية مهما كانت “قذرة” تُبرّرُ الوسيلة فقط في عالم السياسة.
بما أنّ الصين أكبر شريك تجاري لإيران، والمستورد رقم واحد لنفطها، والتي تُفضّلها على روسيا، والعلاقات الصينية الإيرانية بأحسن حال، بالإضافة للدور الهام والأساسي لإيران في (مبادرة الحزام والطريق) وبدونها يفشلُ المشروع الصيني. فلِمَ هذا الحذر المبالغُ فيه من بكين، هل بسبب سوابق إيران في نقض الاتفاقيات مع الاتحاد السوفيتي مثلاً؟ أم مازالت بكين تحسبُ حساب واشنطن؟
السؤال الأخير لنا: هل ستكون نتائجُ الحذر الصيني المُفرط، لصالحها مهما طال الزمن؟
أم قد ينقلب عليها هذا الحذرُ شرّاً، في حال طال هذا الترددُ؟ مهما حصل، نقول هذا:
إن لم تستعد الصين تايوان، وقبلَ نهاية عام 2026 وتظهر كقوة عظيمة تُنهي السيطرة الأميركية، فعلى حكام بكين أن ينسوا مشاريعهم كاملةً، والحديث هنا يحتاجُ وقفاتٍ أطول وأطول. مركز فيريل للدراسات. 19.07.2026 الدكتور جميل م. شاهين