كازاخستان بين التجربة السورية وغباء الديموقراطيين. الدكتور جميل م. شاهين

كازاخستان بين التجربة السورية وغباء الديموقراطيين. الدكتور جميل م. شاهين. 12.01.2022. Firil Center For Studies FCFS. Berlin

لم تهدأ النيران بعد في أكبر دولة مغلقة في العالم، لكنّ “حلفاء” كازاخستان متفقون على إخماد تلك النيران بأية وسيلة شاءت الولايات المتحدة الأميركية ومعها أوروبا، أم أبت. فالأمر لا يخصّ روسيا فقط بل الصين المجاورة أيضاً، واللعبة المفضوحة من إدارة جو بايدن عادت عليها بغير ما خططت له.

لماذا تدخلت روسيا بسرعة؟

لبت موسكو بسرعة طلب الحكومة الشرعية في كازاخستان بإرسال قوات عسكرية من منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها وتهيمنُ عليها روسيا، لمساعدتها في القضاء على “الإرهابيين” كما وصفتهم. هذه المنظمة التي تأسست بعد غزو أفغانستان عام 2002 وتضمُّ بيلاروسيا وأرمينيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان.


بدأت الشرارة بمظاهرات “سلمية” ضد ارتفاع أسعار الغاز بشكل خاص وغلاء المعيشة بشكل عام. وهذا مطلبٌ مُحقّ للمتظاهرين دون شكّ، فكازاخستان بلد غني بالثروات الباطنية بدءاً باليورانيوم وانتهاء بالبترول والغاز، مع نسبة فساد متوسطة حيث تقبعُ الدولة في المركز 94 عالمياً وأفضل من كافة الدول المحيطة بها. خلال يومين تحولّت المظاهرات من سلمية إلى تخريب وعنف وحمل سلاح، ليتبيّن أنّ التظاهر بسبب رفع أسعار الغاز  المسال كانت شماعة، والمتظاهرون كبش الفداء لآلاف من المسلحين المُدربين الذين اقتحموا المؤسسات الرسمية والوزارات والمطارات، فأحرقوا ونهبوا كلّ متجر أو مؤسسة حكومية.

السلطات الأمنية اعتقلت 9900 شخصاً بينهم مدنيين ومسلحين، ليتبيّن وجود مسلحين إسلاميين من أفغانستان وآخرين قاتلوا مع تنظيمات إرهابية في سوريا والعراق، حسب التحقيقات الأولية.

الرئيس قاسم توكاييف حسمَ أمرهُ منذ الأيام الأولى وقرر استخدام القوة وإطلاق النار دون إنذار، طالباً من موسكو التدخل فوراً، فكازاخستان هي قلبُ آسيا الوسطى والحديقة الخلفية لروسيا بحدود طولها 6846 كم، ومَنْ يمكنهُ السيطرة على هذه الحدود إن تحوّلت كازاخستان إلى أفغانستان جديدة؟ يبدو أنّ الذي خطط للأمر ذو خبرة ضعيفة بتقديره أنّ الطريقة هذه ستكون ناجحة، دون تقييم صحيح للردّ الروسي.

روسيا ستدخلُ حرباً إقليمية، على الأقل، من أجل المحافظة على استقرار كازاخستان وبقائها تحت سيطرتها.

أوضح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سبب تدخّل بلاده بالقول: (هناك قوى داخلية وخارجية استغلت المظاهرات) مؤكداً: (هذه الأحداث ليست الأولى ولن تكون الأخيرة بسبب تدخّل الدول من خارج المنطقة).

إذاً تركُ الأمور للفرجة من قبل روسيا كان يعني سقوط كازاخستان ثم باقي الجمهوريات السوفيتية السابقة، ووصول الناتو لعقر دار الكرملين.

هذا السقوط يعني أنّ قاعدة بايكونور الفضائية الكبيرة المؤجرة لروسيا حتى عام 2050، ستكون محطّ تساؤل كبير، ومعها ستسقطُ مصالح الشركات الروسية المستثمرة في قطاع البترول والغاز، وكذلك خط الحرير الصيني… أي وصل “البلّ” لذقن بكين.

تراكمات الحكم السابق وتغييرات قادمة

تزامناً مع الحسم الأمني الذي قام به الرئيس قاسم جومارت توكاييف، فقد أقال رئيس الوزراء ورشّح علي خان إسماعيلوف للمنصب، فحصل على موافقة مجلس النواب. توكاييف أكّد في أول كلمة له أنّ قوات منظمة معاهدة الأمن الجماعي، ستبدأ بسحب قواتها خلال عشرة أيام.

بنفس الوقت؛ اعتقلت السلطات كريم ماسيموف، قائد لجنة الأمن الوطني السابق مع عدد من الضباط والمسؤولين بتهمة الخيانة العظمى. تُشير الأخبار الواردة أنّ ماسيموف كان وراء الأحداث الأخيرة بتوجيه من دول غربية.

من جانب آخر؛ اتهم الرئيس الكازاخستاني الحالي توكاييف، الرئيسَ السابق نور سلطان نزارباييف، بالفساد قائلاً: (لقد ساهم الرئيس نزار باييف بنشوء طبقة من الأغنياء يمتلكون شركات كبيرة، حيثُ تسيطر بناته وأصهرته وأحفاده وأقرباؤهُ على مناصب مهمة للغاية ومصالح اقتصادية في البلاد).

كازاخستان، مظاهرات سلمية في اليوم الأول، فجأة ظهر آلاف المسلحين الذين أحرقوا المباني الحكومية واحتلوا الوزارات و المطارات.

خفايا ما جرى في كازاخستان

كازاخستان أكبر مصدر لليورانيوم في العالم وتُلقّب بـ “منجم اليورانيوم” حيث تسيطر على أكثر من 40% من هذه المادة الهامة، وهي وقود المفاعلات النووية الرئيسي. الشركة الوطنية الكازاخستية كاز توم بروم، أكبر شركة يورانيوم في العالم، تسيطر على إنتاج هذه المادة، وقد حققت أرباحاً كبيرة بسبب الاضطرابات الأخيرة حيث تضاعف سعر اليورانيوم في الأسواق العالمية.

كازاخستان أيضاً مُصدّر  هام للغاز والبترول، بطاقة 1,6 مليون برميل يومياً، بإدارة الشركة الوطنية كاز موناي غاز التي تعاقدت مع شركات توتال الفرنسية وإكسون موبيل الأميركية وشركة شل والشركة الصينية الوطنية، وهذا ما لم يُعجب شركة شيفرون الأميركية العملاقة التي تُحاول الإنفراد بالعقود… فحقل كاشاغان شمال بحر قزوين مثلاً، هو أكبر حقل اكتشف منذ عام 1990 باحتياطي 13 مليار برميل و6 مليار متر مكعب من الغاز.

مع استلام الرئيس قاسم توكاييف مقاليد الحكم في 20 آذار 2019، قاد عملية إعادة النظر في عقود شركتي (شيفرون وإكسون موبيل) الأمريكيتين، اللتين حصلتا على امتيازات كبيرة في عهد الرئيس السابق نزارباييف بعد حكم لثلاثين عاماً حصل أولاده وأحفاده وأقاربه على مناصب وامتيازات هامة، مكّنتهم من السيطرة على الاقتصاد بشكل شبه تام، وإقامة علاقات تجارية وشراكة مع الشركات الأميركية. بشكل أوضح؛ حاول الرئيس توكاييف محاربة فساد الحكم السابق، فتعاضد الفاسدون مع الشركات الخارجية، وكان ما جرى أشبه بمحاولة إنقلاب. 12.01.2022. Firil Center For Studies FCFS. Berlin

الطبيعي أن تجري تلك المظاهرات ضدّ الرئيس السابق المسؤول عن الفساد وليس الحالي الذي بدأ بمحاولة محاربة الفساد! عِلماً أنّ الغرب لم يوجّه انتقادات شديدة لنزارباييف حول حقوق الإنسان واستخدام العنف ضد المتظاهرين. في حين صوّرت وسائل الإعلام ذاتها الرئيس توكاييف كقاتل وديكتاتور يقمع المظاهرات السلمية! هذا الرئيس “القاتل” حسب وصفهم؛ حسّن ترتيب كازاخستان في منظمة الشفافية العالمية للفساد، فتقدمت من المركز 113 عام 2019 إلى المركز 94، عِلماً أنها كانت على عهد الرئيس السابق نزاراباييف في المركز 124 عام 2018 والمركز 131 عام 2016. . 12.01.2022. Firil Center For Studies FCFS. Berlin

مَنْ سينتصر في كازاخستان؟

عودة الهدوء والاستقرار تعني انتصار الرئيس توكاييف وسياسته بمحاربة الفساد ضمن الحدود المسموحة. بالمقابل؛ لا يمكن للدول الأوروبية “التابعة” لواشنطن، والتي تلهث وراءها كالقطيع دون أية رتوش، أن تمضي بعيداً ضدّ نور سلطان “الأستانة” بفرض عقوبات أو تفعيل “قانون قيصر جديد”. فالغرب يستثمرُ بعشرات المليارات من الدولارات في قطاع البترول والغاز والفحم واليورانيوم، وعلى أوروبا أن تعرفَ حجمها…  

كما ذكرنا؛ تنتج كازاخستان أكثر من 40 بالمائة من اليورانيوم في العالم، تُغطي بها 21% من احتياجات أوروبا. تستوردُ ألمانيا مثلاً، 91% من النفط من كازاخستان. فعلى مَنْ ستكون العقوبات؟

كازاخستان صاحبة ثاني احتياطي من اليورانيوم والمعادن التالية: الزنك والفضة والكروم والثالثة بالكروم والخامسة بالنحاس. مع ثروات كبيرة من الحديدة والذهب والفحم بـ 108 مليون طن سنوياً والألماس. كما أنها رقم 11 باحتياطي البترول والغاز بـ 30 مليار برميل، وتاسع منتج عام 2018.

عودة الهدوء والاستقرار تعني أيضاً انتصار لروسيا، خاصة وأنّ الأصابع الأميركية واضحة في الثورة الملونة كما وصفتها بكين. خلال أسابيع قليلة ستظهر إن كان الروس والصينيّون سيحرقون هذه الأصابع أم سيكتفون بإبعادها.

خطأ أميركي لا يُغتفر؟

دونالد ترامب رغم ما يعتقدهُ البعض بأنه لا يصلح للسياسة، لكنه كان أكثر حكمة وذكاءً من جو بايدين، وحاول جرّ روسيا بعيداً عن الصين لكن الديموقراطيين اتهموه بالتعامل مع الروس، فانكفأ.  في عهد ترامب تغلغلت الشركات الأميركية في كازاخستان بشكل غير مسبوق حتى وصلت العلاقات بين البلدين إلى مرحلة شراكة اقتصادية، كانت ستقود لاحقاً لابعاد نور سلطان عن بكين وموسكو نحو واشنطن. الغباء الديموقراطي استعجل الخطة واصفاً ترامب بالأحمق، فدعم هذه التحركات، هذا إن لم يكن قد خطط لها فعلاً، والنتيجة؟

النتيجة؛ تراجع النفوذ الأميركي واستنجاد كازاخستان بموسكو وليس واشنطن، وتعميق الشراكة الصينية الروسية ضد عدو مشترك هو الولايات المتحدة الأميركية. وهذا سيجعل كلام فلاديمير بوتين في 18 تشرين الأول 2021: (علاقات الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والصين وصلت إلى أفضل مستوى منذ بدئها) يُطبّق بصورة أوسع. . 12.01.2022. Firil Center For Studies FCFS. Berlin

الشراكة بين موسكو وبكين ستتقوى لتصل إلى الجوانب الأمنية والعسكرية، فالتدخل العسكري في أية دولة ضمن آسيا الوسطى، على الأقل، بات أمراً محسوماً ومن اختصاص موسكو مقابل الدعم الاقتصادي من بكين. طريقُ الحرير ستتابعهُ الصين بقوة أكثر والمشروع “الديموقراطي” الأميركي في كازاخستان فشل حتى الآن… الدكتور جميل م. شاهين. مركز فيريل للدراسات. 12.01.2022

المواجهة الروسية بدأت قبل قليل وأثناء نشر هذه المقالة في مركز فيريل للدراسات بتهديد صريح من روسيا للناتو وأوروبا تحديداً. نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر غروشكو بعد اجتماع روسيا بالناتو: (لدينا مجموعة من الإجراءات العسكرية التقنية المشروعة التي سنستخدمها إذا كان لدينا شعور بخطر حقيقي على أمننا، ونحن نشعر به الآن، حيث ينظرون إلى أراضينا بمثابة الهدف للوسائل الهجومية. بالطبع لا يمكننا القبول بذلك. وسنتخذ جميع الإجراءات الضرورية للتصدي للخطر بالوسائل العسكرية إن لم تنجح الوسائل السياسية).